الخميس، 24 مارس 2011

الروض الباسم و العرف الناسم

اسعد الله مساءكم بكل خير
انتهيت قبل قليل من قراءة كتاب " الروض الباسم و العرف الناسم " لأبي الصفاء خليل بن أيبك الصفدي
تحقيق الدكتور محمد عبدالمجيد لاشين
يقع الكتاب مع المقدمة في مئتين و تسع و سبعين صفحة من دون الفهارس

و الكتاب بمجمله يورد أبياتا للأديب صلاح الدين الصفدي و هي بالأحرى مقطعات تناول فيها أغراضا عدة

و سأورد هنا ما أعجبني من الكتاب :
- حكي أن الأمير بدر الدين بيليك الخازندار أحضره الى القاهرة تاجر كان يحسن إليه و هو في رقه ، فلما باعه تنقلت به
الأيام الى ما صار إليه و افتقر التاجر فيما بعد ، فحضر إليه بالديار المصرية و كتب له رقعة فيها هذان البيتان :
كنا جميعين في بؤس نكابده ... و القلب و الطرف منا في أذى و قذى
و الآن أقبلت الدنيا عليك بما ... تهوى ، فلا تنسني " إن الكرام إذا "
و يشير الى قول أبي تمام :
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
فأعطاه عشرة آلاف درهم ، قال الصفدي : و هذا عندي أشرف من التضمين الكامل و أطرب للفهم و أعذب للسمع

- و قال الصفدي و هو مضمن :
و لي صاحب لو شريت الودا ... د منه بروحي لن أغبنا
ترحلت عنه و عندي له ... من الشوق ما عنده لي أنا
أجهز غارات شوقي له ... فتلقى تشوقه قد دنا
و في كل وقت هما في وغى... فقد تعب الشوق ما بيننا

و لم يشر المحقق إلى مكان التضمين غير أني أحسبه عجز البيت الأخير فهو مأخوذ من قول ابن زهر الطبيب :
و لي واحد مثل فرخ القطاة ... صغير تخلفت قلبي لديه
و أفردت عنه فيا وحشتا ... لذاك الشخيص و ذاك الوجيه
تشوقتني و تشوقته ... فيبكي علي و أبكي عليه
و قد تعب الشوق ما بيننا ... فمنه إلي و مني إليه

و برأيي إن أبيات ابن زهر أرق و ألطف من أبيات الصفدي

- و قال الصفدي :
بدت ثريا قرطها ، و شعرها ... متصل بكعبها كما ترى
يا عجبا لشعرها لما ابتدى ... من الثريا و انتهى الى الثرى

- و قال الصفدي :
أقول و حر الرمل قد زاد وقده ... و ليس إلى شم النسيم سبيل
أظن نسيم الجو قد مات و انقضى... فعهدي به في الشام و هو عليل

- و كتب الصفدي من الأهرام الى بعض الأصحاب في القاهرة و فيه تورية :
رحلت و ذكركم في الحشا ... كجمر توقد حتى اضطرم
يصاحبني من زمان الصبى ... و ما زال حتى بلغت الهرم

- و كتب الصفدي لمن بعث إليه نسخة كتاب " الفلك الدائر على المثل السائر " :
فديت مولى خالني مقترا ... فعمني بالنائل الغامر
لم يرض بالأرض على قدره ... فجاد لي بالفلك الدائر
فراح مدحي في علا مجده ... مشتهرا كالمثل السائر

الأربعاء، 16 مارس 2011

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 3

أسعد الله أوقاتكم بكل خير
انهيت قبل أيام الجزء الثالث من كتاب نفح الطيب و أحببت أن أورد ما راق لي منه :
1- حكي أن صاعدا اللغوي قال : جمعت خرق الأكياس و الصرر التي قبضت فيها صلات المنصور بن أبي عامر فقطعت لكافور الأسود غلامي منها قميصا كالمرقعة و بكرت به معي الى قصر المنصور فاحتلت في تنشيطه حتى طابت نفسه فقلت : يا مولانا لعبدك حاجة ، فقال : اذكرها قلت : وصول غلامي كافور الى هنا ، فقال : و على هذه الحال ؟ فقلت : لا أقنع بسواه الا بحضوره بين يديك فقال : أدخلوه ، فمضل قائما بين يديه في مرقعته و هو كالنخلة اشراقا ، فقال : قد حضر و إنه لباذ الهئية ، فمالك أضعته ؟ فقلت يا مولانا هنالك الفائدة : اعلم يا مولاي أنك وهبت لي اليوم ملء جلد كافور مالا ، فتهلل و قال : لله درك من شاكر مستنبط لغوامض معاني الشكرو أمر لي بمال واسع و كسوة و كسا كافورا أحسن كسوة
2- كتب السيد أبو الربيع سليمان بن عبدالله بن أمير المؤمنين عبدالمؤمن بن علي الى السيد أبي الحسن علي بن عمر بن أمير المؤمنين عبدالمؤمن :
اليوم يوم الجمعة ... يوم سرور و دعة
و شملنا مفترق ... فهل ترى أن نجمعه
3- قال ابو الفضل الدارمي البغدادي في جارية تبخرت بالند :
و محطوطة المتنين مهضومة الحشا ... منعمة الأرداف تدمى من اللمس
إذا ما دخان الند من جيبها علا ... على وجهها أبصرت غيما على شمس
4- قال أبو الحسن سلام بن سلام المالقي :
لما ظفرت بليلة من وصله ... و الصب غير الوصل لا يشفيه
أنضجت وردة خده بتنفسي ... و طفقت أرشف ماءها من فيه
5- قال - و أحسبه الشقندي في رسالة له في محاسن الأندلس و تفضيلها على بر العدوة - عند حديثه عن مرسية :و قد اختصت بالحصر التي تغلف بها الحيطان المبهجة للبصر
أقول : لكأنها نموذج أولي لورق الجدران الذي نستخدمه اليوم " wall paper "

6- قال أبو عمران موسى بن عمران المارتلي :
لا تبك ثوبك إن أبليت جدته ... و ابك الذي أبلت الأيام من بدنك
و لا تكونن مختالا بجدته ... فربما كان هذا الثوب من كفنك
و لا تعفه أذا أبصرته دنسا ... فإنما اكتسب الأوساخ من درنك

7- كانت لأبي بكر ابن مجبر وفادة على المنصور الموحدي في كل سنة فصادف في إحدى وفاداته فراغه من إحداث المقصورة التي كان أحدثهابجامعه المتصل بقصره في حضرة مراكش و كانت قد وضعت على حركات هندسية ترفع بها لخروجه و تخفض لدخوله أقول : انظر إلى أي تطور وصلوا إليه
8- و انظر دقة النقد في حادثة ابن دراج و المطرف بن عمر :
حضر المطرف بن عمر المرواني مع شاعر الأندلس في زمانه ابن دراج القسطلي فقال له القسطلي : أنشدني أبياتك التي تقول فيها :
" على قدر ما يصفو الخليل يكدر "
فأنشده :
تخيرت من بين الأنام مهذبا ... و لم أدر أني خائب حين أخبر
فمازجني كالراح للماء و اغتدى ... على كل ما جشمته يتصبر
إلى أن دهاني إذ أمنت غروره ... سفاها و أداني لما ليس يذكر
و كدر عيشي بعد صفو و إنما ... على قدر ما يصفو الخليل يكدر
فاهتز القسطلي و قال : و الله إنك في هذه الأبيات لشاعر و أنا أنشدك فيما يقابلها لبلال بن جرير :
لو كنت أعلم أن آخر عهدهم ... يوم الفراق فعلت ما لم أفعل
و لكن جعل نفسه فاعلا و عرضتَ نفسك لأن يقال : إنك مفعول فقال : و من أين يلوح ذلك ؟فقال قسطلي : من قولك
" و أداني لما ليس يذكر "
*قال المؤلف يصف دار جمال الملك البغدادي :
و صنع فيها الحمام العجيب الذي فيه بيت مستراح فيه أنبوب إن فركه الإنسان يمينا خرج ماء حار و إن فركه شمالا خرج ماء بارد

10- لما قبض المعتصم على خلف بن فرج السميسر ، سأله عما قاله في ابن بلقين صاحب غرناطة فقال السميسر :
لما رأيته مشغوفا بتشييد قلعته التي يتحصن فيها بغرناطة قلت :
يبني على نفسه سفاها ... كأنه دودة الحرير
فقال له المعتصم : لقد أحسنت في الإساءة إليه ، فاختر : هل أحسن إليك و أخلي سبيلك أم أجير منه ، فقال :
خيرني المعتصم ... و هو بحالي أعلم
و هو إذا يجمع لي ... أمنا و منـًّـا أكرم
11- قال راشد بن عريف الكاتب :
جُمّع في مجلس ندامى ... تحسدني فيهم النجوم
فقال لي منهم نديم ... ما لك إذ قمتُ لا تقوم
فقلت إن قمت كل حين ... فإن حظي بكم عظيم
و ليس عندي إذن ندامى ... بل عندي المقعد المقيم
فلله دره
- قال أبو الحسن اللورقي :
لم لا أحب الضيف أو ... أرتاح من طرب إليه
و الضيف يأكل رزقه ... عندي و يحمدني عليه

الجمعة، 4 فبراير 2011

الهول المعجب في القول بالموجب

كتاب " الهول المُعجـِب في القول بالموجب " للأديب أبي الصفاء خليل بن أيبك الصفدي تحقيق الدكتور
محمد عبدالمجيد لاشين - دار الآفاق العربية - الطبعة الأولى 1425 هـ ، 2005 م
يقع الكتاب في 191 غير الفهارس
شاء محقق الكتاب أن يجعل مقدمة الكتاب للحديث عن الصفدي و عصره فتحدث عن الحياة السياسية و الاجتماعية و
الثقافية فيه ثم تطرق الى الحديث عن الصفدي شأن أي محقق عند الحديث عن المؤلف
يتحدث الصفدي عن القول بالموجب و هو - كما فهمته - حمل كلام المتكلم مع تقريره على خلاف مراده
هذا هوالتعريف الذي استوعبته أما غيره من التعاريف فلم أفهمها و لكن بالأمثلة يتضح المقصود :
* قال الغضبان بن القبعثري - و كان من زعماء الخوارج - و كان مع صحابة له في بستان و ذكر الحجاج فدعا عليه
قائلا : " اللهم سود وجهه و اقطع عنقه و اسقني دمه "
فلما ظفر به الحجاج سأله عن ذلك فقال : أردت العنب ، فقال الحجاج متوعدا : لأحملنك على الأدهم
فقال : مثل الأمير يحمل على الأدهم و الأشهب
قال : ويلك إنه حديد
فقال : لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا
" فصرف الوعيد بالهوان الى الوعد بالإحسان "
و الأبيات التي أوردها الصفدي في الكتاب أغلبها ذات معنى و فكرة ظريفة غير أنني أعجبت بالآتي :
1- كان عبدالباقي بن محمد المعروف بابن ناقيا قد قرأ على ابن الشبل البغدادي ثم وقع بينهما و تقاطعا و تهاجيا فقيل له
يوما :أ لم تكن قرات على الشيخ ابن الشبل ؟
فقال : بلى ، و إلا من أين لي هذه البلادة التي فيّ
فبلغ ذلك ابن الشبل فقال :
فقل ما شئت إن الحلم دأبي ...و شأني الخير إن حاولت شرا
فأنت أقل أن تلقى بذم ... مجاهرة ، و أن تغتاب سرا
2- قال بهاء الدين زهير :
إلى كم أقاسي لوعة بعد لوعة ... و حتى متى يا بين أنت معي معي
و قالوا : علمنا ما جرى منك بعدنا ... فلا تظلموني ما جرى غير أدمعي
3- و عند حديث المحقق عن الحياة الثقافية في عصر الصفدي و تطرقه الى العلوم العقلية تعرض لذكر نهضة العرب
فذكر أن محمد بن بادي أبي بكر ، شمس الدين الطيبي كان يستعمل نظارة طبية .
و قد أورد الصفدي في كتابه أعيان العصر و أعوان النصر في ترجمة شمس الدين الطيبي ما يلي :
وأنشدني من لفظه لنفسه في العيون الزجاج التي يعانيها من ضعف بصره لرؤية الخط الدقيق، ويضعها على أنفه:
لهفي على دولة التصابي ...وحق لي أن يزيد لهفي
كانت عيوني من فوق خدي ... فاليوم أمست من فوق أنفي

و ختاما فقد أعجبتني ثقافة المحقق و وضعه نبذة عن الأعلام المذكورين في الكتاب و الكلمات الدارجة في عصر
الصفدي مما قد تخفى على القارئ

الأربعاء، 22 ديسمبر 2010

في السوق

كنت في أحد محلات سوق الأقمشة ( البلوكات ) و كان الزوج واقفا مع زوجته التي سألته و قد عرضت الأقمشة أمامها :
ماذا ترى ؟
فقرأت في وجهه :

قد سألتني زوجتي ... أن نقصد المتاجرا
لساعة كي تشتري ... الأقطان و الحرائرا
جاءت لشيء واحد ... فـَـجـَـرّ شيئا آخرا
فثالثا و رابعا ... و تاسعا فعاشرا
حتى إذا ما أصدرت ... للعامل الأوامرا
لينزل الطاقات بل ... و يحضر المساطرا
و التفتت نحوي و حا...لي لا تسر الناظرا
تسألني : ماذا ترى ... فقلت : أن نغادرا

السبت، 4 ديسمبر 2010

ديوان ابراهيم طوقان

اسعد الله أوقاتكم بكل خير
انتهيت قبل أيام من قراءة ديوان ابراهيم طوقان الصادر عن مؤسسة جائــزة عبالعزيز البابطين للإبداع الشعري
- إعداد و ترتيب : ماجد الحكواتي

و لقد وقفت على مجموعة أبيات أعجبتني فأحببت أن تشاركوني بها :

1- يقول ابراهيم طوقان و قد تجلت ظرافته و حسه الفكاهي :
و طبيب رأى صحيفة وجهي ... شاحبا لونها و عودي نحيفا
قال لا بد من دم لك نعطيـــ ... ـــه نقيا ملء العروق عنيفا
لك ما شئت يا طبيب و لكن ... أعطني من دم يكون خفيفا

2- و قال في قصيدته " في المكتبة " و أبدع :
و غريرة في المكتبة ... بجمالها متنقبة
أبصرتها عند الصبا... ح الغض تشبه كوكبة
جلست لتقرأ أو لتكــ ... ــتب ما المعلم رتبه
فدنوت أسترق الخطى ... حتى جلست بمقربة
و حبست حتى لا أرى ... أنفاسي المتلهبة
و نهيت قلبي عن خفو ... ق فاضح فتجنبه

إلى أن قال :

يا ليت حظ كتابها .... لضلوعي المتعذبة
حضنته تقرأ ما حوى .... و حنت عليه و ما انتبه
فإذا انتهى وجه و نا ... ل ذكاؤها ما استوعبه
سمحت لأنملها الجميــ ... ــل بريقها كي تقلبه
و سمعت و هي تغمغم الـ ... ــكلمات نجوى مطربة
و رأيت في الفم بدعة ... خلابة مستعذبة
إحدى الثنايا النيرا ... ت بدت و ليس لها شبه
مثلومة من طرفها ... لا تحسبنها مثلبة
هي لو علمت من المحا ... سن عند أرفع مرتبة
هي مصدر السينات تكــ ... ــسبها صدى ما أعذبه

3- و قال في قصيدته " ليلى كوراني " و قصتها أن السيد إلياس كوراني - استاذ في الجامعة الأميركية- رزق بطفلة حار في تسميتها فكانت سعادا ثم منى ثم قر قراره على ليلى . و قد دعا من معلمي الجامعة الأميركية إلى حفلة أنس في داره فألقيت هذه الأبيات :
بين ليلى و سعاد و منى ... حار إلياس كما حرت أنا
غير أني لا أرى من عجب ... أن يكون الاسم قد حيرنا
تكثر الأسماء في شيء إذا ... كثر المعنى به أو حسنا
طفلة عن والديها نسخة ... كرمت أصلا و طابت معدنا
قل لوجه البدر إن قابلته ... جاءك الحسن انعكاسا من هنا
لكن البشرى بليلى أنها ... أول الأزهار في روض الهنا


4- و قال هذه الأبيات التي نظمها على إثر خروجه من المستشفى الألماني في القدس بعد أن أجريت له عملية جراحية كبرى :
إليك توجهت يا خالقي ... بشكر على نعمة العافية
إذا هي ولت فمن قادر ... سواك على ردها ثانية
و ما للطبيب يد في الشفاء ... و لكنها يدك الشافية
تباركت أنت معيد الحياة ... متى شئت في الأعظم البالية
و أنت المفرج كرب الضعيف ... و أنت المجير من العادية


5- و قال في قصيدته " السماسرة " التي أشار فيها الى بعض الجرائد المأجورة التي كانت تدافع عن فئة من السماسرة و تستر خيانتهم :
أما سماسرة البلاد فعصبة ... عار على أهل البلاد بقاؤها
إبليس أعلن صاغرا إفلاسه ... لما تحقق عندع إغراؤها
يتنعمون مكرمين كأنما ... لنعيمهم عم البلاد شقاؤها
هم أهل نجدتها و إن أنكرتهم ... و هم و أنفك راغم زعماؤها
و حماتها و بهم يتم خرابها ... و على يديهم بيعها و شراؤها
و من العجائب إن كشفت قدروهم ... أن الجرائد بعضهن غطاؤها
كيف الخلاص إذا النفوس تزاحمت ... أطماعها و تدافعت أهواؤها

أقول : و كأنني و أنا اقرأ القصيدة أشعر بنفس الرصافي فيها


في الختام لا بد من إشارة :

نظم الشاعر قصيدة في فتاة لبنانية اسمها سارة الخطيب و جاء أحد أبياتها كالتالي :
و انت كاسمك " سارة " لا بل أنت مصدره ... " السرور " و سره و أجل الناس سماكِ

فعلق معد الديوان " ماجد الحكواتي " في الهامش بقوله : البيت فيه خلل عروضي
و لم يكن مخطئا في ذلك غير أنه لو اعاد النظر في البيت لعلم أن كلمتي " سارة ، السرور " ليستا من أصل البيت
فالبيت أصله : و انت كاسمك لا بل انت مصدره ... و سره و أجل الناس سماك
و اما سارة و السرور فوضعتا لبيان المراد ، فإن الشاعر حينما قال :[ و انت كاسمك] كتب سارة ليتبين مقصوده
و حينا قال :[ لا بل أنت مصدره] كتب السرور ليعلم ما أراد ، و أحسب أن الشاعر - و كعادة كثير من الشعراء - يدون
مقصده فيما يخشى أن يغمض فهمه على القارئ و يكون التدوين فوق الكلمة او على الهامش و هنا يبدو أن جاء فوق الكلمة فالتبس على الأخ ماجد و ظنها من صلب البيت

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

كشف الحال في وصف الخال

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

اسعد الله أوقاتكم بكل خير

كلما قرأت للصفدي كتابا عجبت لسعة حفظ علمائنا الأوائل إذ كيف يتسنى لهم استحضار مادة الكتاب حين لم يكن لديهم وسائل مساعدة كالتي عندنا اليوم - قوقل مثلا - فعندما يأتي الصفدي و يؤلف كتابا ككتابنا الذي نحن بصدده أعجب له كيف يستحضر الكثير من الأبيات ذات الصلة ، و لئن افترضنا أنه يدون ما يمر عليه أثناء قراءاته فهو إذن ذو خاطر يعمل طوال الوقت حيث لديه عناوين شتى يقوم بملئها اثناء قراءته و هو أمر أعجب

نعود لكتابنا :
يتألف الكتاب من 134 صفحة و هو بتحقيق محمد عايش -طبعة دار الأوائل سنة 2006
يتحدث الصفدي فيه أولا عن الخال- ما تسميه العامة "حبة خالة" - لغة و ما يتعلق به
ثم في حقيقة الخال و سبب وجوده في مكان دون غيره
ثم ينتهي إلى ما جاء في وصف الخال شعرا

و قد اعجبني مما ورد في الكتاب من أشعار :

1- قال أبو اسحق الغزي يهجو الوزير علي بن أحمد السميرمي :
كمال سميرم للملك نقص ... كما سميت مهلكة مفازة
لئن رفعت محلته الليالي ... فكم رفعت على كتف جنازة

2- قال الصفدي :
مليح حلا في كل قلب و ناظر ... و كل ضمير نحوه يتلفت
أتى باختلافات المنى في جماله ... فما فيه ما يستدرك المتعنت

3- قال ابن منير الطرابلسي :
لا تخالوا خاله في خده ... قطرة من صبغ مسك نطفت
تلك من نار فؤادي جذوة ... فيه شبت و انطفت ثم طفت

4- قال ابن نباتة :
سألته عن قومه فانثنى ... يعجب من إسراف دمعي السخي
و أبصر المسك و بدر الدجى ... فقال ذا خالي و هذا أخي

أقول : على حلاوة البيت و ظرافته فلم أجد ربطا بين السؤال و سخاء الدمع ، و أعجب للصفدي عدم تعليقه و هو الذي يستدرك مثل هذه
الأمور و له تلك اللفتات ، إلا أن يكون احترامه لشيخه منعه من ذلك


5- و قال محيي الدين بن عبدالظاهر :
أرى الخال من وجه الحبيب بأنفه ... و موضعه الأولى به صفحة الخد
و ما ذاك إلا أنه من تلهب ... توارى يريد البعد من شدة الوقد

6- و قال شهاب الدين بن الخيمي :
و عذول لج في عذلي إذ ... لم ير الخال على الخد الأسيل
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفاصلنا على وجد جميل

7- قال شرف الدين حسين بن ريان :
لاحت عل مبسمه المشتهى ... ثلاث شامات غدت في التزام
لا تعجبوا إن كثرت حوله ... " فالمورد العذب كثير الزحام "

8- و قال شمس الدين محمد بن التلمساني :
و أهيف فاق الورد حسنا بوجنة ... أنزه طرفي في رياض جنانها
كأن به من حول خاليه جمرة ... " تشب لمقرورين يصطليانها "


و ختاما فلا بد من كلمة :

تمنيت لو أن محقق الكتاب بعد الجهد الكبير الذي بذله - و هي عادته في تحقيقات كتب الصفدي التي قرأتها - في تخريج الأبيات و إيراد ترجمة لمن يرد اسمه في الكتاب ، ليته بذل جهدا أقل و صفى الكتاب من شوائب أخلت ببهجته تتمثل في الأخطاء الطباعية الكثيرة

و مع ذلك فله الشكر الجزيل على جهده المبذول

الأحد، 7 نوفمبر 2010

تشنيف السمع في انسكاب الدمع

اسعد الله اوقاتك بكل خير
انتهيت مساء أمس من قراءة كتاب " تشنيف السمع في انسكاب الدمع "لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي
تحقيق : محمد عايش ، يقع الكتاب في 215 صفحة الطبعة الثانية 2007 صادرعن" صفحات للدراسات و النشر"
يتحدث فيه الصفدي عن كل ما يتعلق بالدمع من ناحية اللغة و ذكر مرادفاته و ما يطلق عليه اسم العين ثم
يسترسل ليتحدث عن الأشياء التي وصف بها الدمع و يأتي على ذكر الاشعار التي وردت في ذلك
شأن الصفدي في كل موضوع يتناوله
و قد أعجبتني عدة أبيات وردت في الكتاب أغلبها ذات تورية :
1- قال الشاعر ذو القرنين ابن ناصر الدولة بن حمدان :
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... و شهدت حين نكرر التوديعا
أيقنت أن من الدموع محدثا ... و علمت أن من الحديث دموعا

2- قال ابن النبيه :
خذ من حديث شؤونه و شجونه ... خبرا تسلسه رواة جفونه
لولا فضيحة قلبه بدموعه ... ما زال شك رقيبه بيقينه

3- و أبدع السراج الوراق بقوله :
يا نازح الطيف مر نومي يعاودني ... فقد بكيت لفقد الظاعنين دما
أوجبت غسلا على عيني بأدمعها ... و كيف و هي إذن لم تبلغ الحلما

فلله دره
4- قال محمود الخوارزمي صاحب الكشاف يرثي شيخه أبا مضر :
و قائلة ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت لها الدر الذي قد حشى به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني

5- أرسل الصاحب زين الدين الى السراج الوراق هذين البيتين :
أهدى له البرق من أحبابه خبرا ... فبات ناظره يستعذب السهرا
و حدثته نسيمات الصبا سحرا ... فلا تسل عن حديث الدمع كيف جرى

6- و قال بهاء الدين زهير :
رويدك قد أفنيت يا بين أدمعي ... و حسبك قد أحرقت يا شوق أضلعي
إلى كم أقاسي لوعة بعد لوعة ... و حتى متى يا بين أنت معي معي
و قالوا علمنا ما جرى منك بعدنا ... فقلت ظلمتم ما جرى غير أدمعي

أقول : و لو كان غير البهاء لما قبلت منه تكرار " معي " لإمكان دخول أي كلمة بدلا عنها لكني دائما أتصور البهاء
- لعذوبة شعره و سهولة ألفاظه - ينظم البيت ارتجالا و هو متكئ فأقبل منه عفويته الشعرية التي لا ارتضيها من غيره
و أحسب البهاء هو المعني بقول صاعد اللغوي لما أمر المنصور بن أبي عامر بمعارضة قصيدة لأبي نواس:
إنّي لأستحيي علا ...ك من ارتجال القول فيه
من ليس يدرك بالرويــ ...ــة كيف يدرك بالبديه

و على ذكر صاعد فإن له أخبارا رائقة ذكرها المقري في كتابه نفح الطيب المجلد الثالث ، فمن أرادها فلينظرها في
موضعها
7- و قال البدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي :
رفقا بصب مغرم ... أبكيته صدا و هجرا
وافاك سائل دمعه ... فرددته في الحال نهرا

و قبل ختام القول :
لما شرعت بقراءة الكتاب شككت - على تأكيد المحقق نسبة الكتاب للصفدي - بكون الكتاب من تأليف الصفدي لأن نثره
في المقدمة ليس ذاك النثر الذي عهدته من الصفدي لكنني لما قرأت الاختيارات تجلت فيها روح الصفدي حيث إنه يشتهر
بكثرة أيراد شعر شعراء عصره و له ذوق خاص به عند الاختيارات
و ليس في الكتاب ما يعيب سوى بعض الاخطاء الطباعية و اختلال الوزن في بعض الاشعار التي أكبر المحقق أن تفوته
و لكن يبقى له الشكر أخيرا على اخراج هذا الكتاب