الخميس، 9 أكتوبر 2014

تسكع على الخريطة


أسعد الله أوقاتكم بكل خير

توطئة : لعلي في هذا الإدراج أخالف الشرط الذي انتهجته في هذه المدونة لكن عذري يقوم في أن مدونتي الأخرى الاجتماعية أغلقت و أصبح صعبا علي إدارة مدونتين فلذا سيكون لهذا الكتاب استثناء خاص و هو أهل له .

اقتنيت قبل أيام كتابا يعد من كتب الرحلات التي ندر وجودها في زمننا هذا
فكثير منا قد سافر لكن من منا قرر تدوين رحلته ، و إذا دون فهل سيوفق ليدونه بأسلوب مميز يشد القارئ حتى صفحات كتابه الأخيرة
ذلك ما كان عليه كتاب الصديق عبدالكريم الشطي " تسكع على الخريطة "
كنت أتابع حسابه في تويتر و أعجب لنشاطه في الرحلات و قصده أماكن لم يسبق أن طرقها الناس و كنت قبل فترة قد شاهدت لقاء الإعلامي سليمان الحزامي بالرحالة الكويتي محمد عقيل مسلم فظلت فكرة الرحلات عالقة في ذهني حتى اطلعت على كتاب الصديق عبدالكريم و وجدت اتفاقا بينهما يتمثل في حب المغامرة و إن كان الرحالة محد عقيل يغامر و يخاطر في حين أن عبدالكريم ينحو إلى التعرف على ثقافات الشعوب " و في كل خير "
إن الكتاب الذي لا تبرز لك فيه شخصية كاتبه في كل صفحاته هو كتاب جدير بأن لا يقرأ ، و إذا وفقت و وجدت فيه شخصية كاتبه ظاهرة للعيان و سلاسة في أسلوبه و ظرافة في لفتاته فقد وفقت لخير كثير
و سأورد ما أعجبني في الكتاب عبر النقاط الآتية :
1- يقول الكاتب : لم تكن سهرة عادية فلأول مرة في حياتي أختلط بأجانب في أجواء حوارية ( لا تكدره المدنية )
أقول : كم لهاتين الكلمتين من معنى عميق ، فما ترى سبب الملل و الحزن الذي نعيشه - مع ما لدينا من مقومات الحياة السعيدة – إلا لانغماسنا في المدنية التي سلبت منا جمال الحياة .
يقول الكاتب : عدت لأهل الضوء و سامرتهم حتى الفجر ، و أقول : إنه لأدب جم منه أن لم
يقل أهل النار
2- يقول الكاتب : في كوستاريكا ... أول درس تعلمته أن سعادة الإنسان تبدأ من الاحتكاك المباشر بالطبيعة الكل يعيش في أكواخ صغيرة يزرع يأكل يشرب من الأرض فقراء لكن سعداء
أقول : نعم هذا ما يعوزنا و لعل ما يؤيد ذلك أننا في طفولتنا كنا سعداء لكوننا نخرج و ننطلق بحرية و ترى أبناءنا الآن رغم ما لديهم من وسائل الترفيه إلا أنهم كثيرو التململ

3- يقول الكاتب : اكتشفت أن الأم مطلقة و أنها تكره زوجها الذي خانها و أنها اشترت قطعة أرض صغيرة بنت عليها خمسة بيوت أحدهم [بيتها] الصغير و أجرت الباقية على إخوان زوجها بسعر بخس بشرط أن لا يسمحوا له بزيارتهم و بذلك تقطعه عن العائلة كله
4- يقول الكاتب : حملتني التأشيرة إلى منطقة بحرية في كوستاريكا مقطوعة من الكهرباء .. كانت عبارة عن غابات ممطرة ... وجدت فيها خيمة أمريكية صغيرة يقيم فيها عجوز ألماني وحيدا ، لم يكن وحيدا بمعنى الكلمة إذ كان محاطا بكومة من الكتب

أقول :تلك هي اللذة المفقودة

5- نصح الفارس جوبير الكاتب ماكسيم دوكومب : أن تحلم بالشرق دون أن تراه تماما كما لو صنعت شوربة الأرانب دون أرنب ، عليك بالذهاب إلى هناك حتى لو أصبت بخيبة أمل
أقول : نعم ، و لعل الخوف من خيبة الأمل هو السبب الذي حرمنا من كثير من السفرات ،
فنحن نريد سفرا مريحا هانئا لا وعثاء فيه و هذا استجمام لا سفر
6- يقول الكاتب : و خلا الشاطئ من الناس إلا من شخص يجلس على صخرة .... و قال بكل ثمالة " طريق الجنة أن تجعل فتاة لاتينية تحبك و طريق النار أن تحبها "

أقول : الأمر في النساء عامة و لكن يبدو أن اللاتينيات لهن سحر خاص

7- يقول الكاتب : هذا ما تعرفونه عن هذه الجزيرة لكن هل دخلتها من الداخل ..... لماذا لا تذهب معي فأنا لم أرافق عربيا في حياتي و سأريك أسرار هذه الجزيرة ...
وافقت من فوري ...

أقول : هذه الجرأة و حب الاكتشاف هما اللذان أظهرا لنا هذا الكتاب الممتع

8- يقول الكاتب : البطاطا هي نبتة خاطة بأمريكا الجنوبية و لها شعبية حتى أن الناس كانوا يستخدمونها بدلا من الساعة في قياس الوقت فيقولون إن هذا العمل يستغرق قلي بطاطتين أو مسافة الوصول إلى ذلك المكان يستغرق قلي عشر بطاطات

9- يقول الكاتب : في الطريق إلى الماتشو بيتشو ...في اليووم الثاني ..... كان الطريق في غالبه عبارة عن سلالم و أدراج بناها الأنكا منذ مئات السنين و لأني وصلت للقافلة متأخرا فلم أحضر معي عصاة المشي و هي مهمة جدا لأنها تخفف العبء عن الركبتين بشكل كبير .... و الغريب أنهم يفتشوننا في بداية الرحلة و يفحصون عصي المشي المستخدمة فإذا كانت لديك عصاة معدنية فإنك يجب أن تضع في آخرها قطعة من المطاط لأن الطرف المعدني يخرب الأرض و يفسد طريق الأنكا

أقول : هكذا تحافظ الشعوب على حضارتها و ذلك بدءًا من أدق التفاصيل

10- لا يهم أن تكون الحقيقة معك ، المهم أن يكون الإعلام معك
11– دار حوار بين الكاتب و رجل كان جالسا يغني
الكاتب : ما هو عملك
الرجل : و لماذا أعمل
الكاتب : لكي تعيش
الرجل : لكني حي
الكاتب : أقصد لكي تتمكن من العيش براحة و رفاهية
الرجل : غريب تريدني أن أتعب لكي أرتاح ، انا مرتاح أساسا فلماذا أتعب كي أرتاح ...

إلى آخر الحديث الذي يجعلك تعيد النظر في كثير من مسلّماتك

هذا ما لفت انتباهي من خلال اطلاعي على الكتاب و لعل غيري سيلفت انتباهه أشياء أخرى ، فإن الكتب التي تحوي تجارب شخصية و أفكارا فلسفية تتباين العقول في استنباط فوائدها




السبت، 2 أغسطس 2014

كتاب " عرفت هؤلاء " للعوضي الوكيل




أسعد الله أوقاتكم بكل خير
أنهيت قبل فترة قراءة كتاب [عرفتُ هؤلاء] لمؤلفه ( العوضي الوكيل ) و كان الكتاب قد أهدي إلي من أخ كريم كعادته و هو صديقي بل أخي / فهد محمد نايف الدبوس
و الكتاب من مطبوعات [ مكتبة و مركز فهد بن محمد بن نايف الدبوس للتراث الأدبي – الكويت ] و هو من الكتب التي تستهويني حيث إن مؤلفه يتحدث عن سيرة أشخاص التقى بهم و تعرف عليهم فهو يذكر عنهم ما رآه منهم و ما كوّنه حولهم من آراء ، حيث أرخ فيه لست عشرة شخصية أحسبني لا أعرف نصفهم إن لم يكن أكثر لو لم اطلع عليه ، حيث إن بعض الشخصيات لا يعرف عنها إلا من له اهتمام في المجلات و الجرائد التي كانت سائدة في تلك الحقبة و لعل تلك الحقبة تعتبر حقبة ذهبية مرت على مصر من حيث الحياة الأدبية فيها نظرا لوجود عدد كبير من أدبائها و شعرائها ممن عاصروا تلك الحقبة و لا يفوتني قبل الشروع في الحديث عما راق لي من الكتاب أن أجزل شكري لأخي فهد حيث وجه لي شكرا خاصا في مقدمة الكتاب لا أظنني كنت أستأهله ، إذ لم أساهم في الكتاب الا مساهمة جد يسيرة ، لكنها عادة كريمة فيه

1- ممن راقت لي شخصيتهم الشاعر محمد مصطفى حمام حيث إنه يملك حسا في الظرافة تجعل ذا الطبع المكدود مثلي يميل إليه و يأنس له ، حيث إنه يتمتع بقدرة على تقليد الأصوات استخدمها مرة في إصلاح ذات البين بين العقاد و محمد توفيق دياب ، إذ اتصل على العقاد مقلدا صوت دياب و اعتذر له ، ثم اتصل على دياب مقلدا صوت العقاد و اعتذر له ، فأصلح بينهما بعد هاتين المكالمتين و له طرائف أخرى مذكورة في سيرته تستحق الاطلاع عليها

2- كما راقت لي سيرة / عبدالعزيز فهمي و لعل ذلك يعود لتشابه طبيعة العمل ، حيث إنه كان محاميا ، و ذكر المؤلف عنه أن ابراهيم المازني اتهم في قضية صحفية فترافع عنه عبدالعزيز فهمي دون مقابل باعتبار ان المتهم هو الأديب الكبير ابراهيم المازني

3- تحدث المؤلف عن الشاعر و الدكتور ابراهيم ناجي ، و لشدما أعجبت بشعر هذا الشاعر الرقيق لا سيما حين ينشد قوله :
فإذا الدنيا كما نعرفها ..... و إذا الأحباب كل في طريق
غير أني عرفت شخصيته و نبل أخلاقه أكثر و أنا اقرأ سيرته التي ذكرها المؤلف حيث كانت عيادته كأنها مستشفى مجاني للأدباء و الشعراء و الفقراء ، و كانت وفاته أيضا مؤثرة إذ سقط مفارقا الحياة و السماعة في يده و هو يكشف على أحد مرضاه

4- لم تشدني سيرة شخصية كما شدتني سيرة / أحمد زكي أبوشادي فقد كانت حياته ملأى بالمودة و المخاصمات – كما يذكر المؤلف – مع الأدباء و الشعراء ، و كان قد أنشأ مجلة (أبولو ) و يعجبني العقاد حين طلبت منه جماعة أبولو أن يكتب لها فكتب كلمة يعيب فيها على اختيار اسم أبولو للمجلة إذ أنه اسم لا تعرفه العرب و إنما عرفوا عطارد مثلا ، و كانت هذه لفتة تحمد للعقاد

5- تطرق المؤلف للشاعر الحلاق حسن محمد البطريق ، و لعل الذي جذبني إليه هو فكرة أن يكون الشاعر ذا مهنة ، و حيث مرت علي أثناء قراءاتي سيرة الشاعر الجزار و أعجبتني طرافته ، كما مرت علي سيرة الخبزأرزي ، فيبدو أن تلك الفكرة قد راقت لي فأعجبت بالحلاق ذلك فضلا عما أورده المؤلف عن هذا الشاعر من أخبار

- و أحب أن أنوه إلى أنه تروق لي طريقة أخي فهد بوضع صورة لكل شخصية ، ذلك أن الصورة الشخصية تزيد القارئ قدرة على تكوين فكرة عن الشخصية التي يقرأ عنها

الأحد، 12 أغسطس 2012

ديوان شعر " لا تقرأوا قصائدي " لمصعب بن سلطان السحيباني

أسعد الله أوقاتكم بكل خير انتهيت امس من قراءة ديوان الشاعر مصعب بن سلطان السحيباني " لا تقرأوا قصائدي "  و كان السبب في اقتنائي ديوانه هو اني كنت اقرأ له إبان مشاركتي في منتدى الساخر  - سقى الله تلك الأيام - و لعله يصدق عليها ما قلتٌ: مضت تلكم الأيام عنا حميدة ... سريعًا و كنا في نعيم و لا ندري ثم التقيت به من خلال التويتر و سعدت لما علمت بطرحه ديوان شعره فاقتنيته و سأورد ما  راق لي منه و ما لي علي من ملحوظات :  ١- من قصيدة قتال الأيام. اعجبني قوله    و حين كرام القوم ولّوا جميعهم .. و خُلِّفت وحدي للمصائب و الردى و أيقنت أن القوم لا خير فيهم .. و أن ليالي الصفو قد ذهب سدى  سللت على الدهر الغدور عزائمي .. و سقت إليه الصبر جيشًا مجردا و همة نفس لا تزال فتية  .. و قلب رقيق صار في الرزء جلمدا  وضعت يدي اليمنى بيسراي واثقًا .. بنفسي ، فلم أمدد بزاوية يدا و لعلي أرى نصب ( قلب رقيق ) لكونه معطوفًا على( الصبر او العزائم )المنصوبتين و كنت لأقبل بأنه بدء جملة جديدة لولا قوله ( وضعت يدي ....) التي تنبئ انه لا يزال في سياق حديثه     ٢- من قصيدة مشيب الشباب  و أيامه مرت عليه هزيلة ... و ودع في عهدالطفولة ما ارتضى و أخفى الذي يلقى و أظهر ضده .. و أفصح في شكواه حينًا و عرّضا  فقد أعجبني سياق البيت الثاني  ٣- يقول من قصيدة "لا تلوموه قد أضاع شبابه" و قد ابدع   ليتني لا أزال يا قلب طفلًا .. يئس الهم أن يدوس رحابه ليس يشقى كما شقيت و يلقى .. أكبر الهم فقده ألعابه لو تأملت ما تراه من العيــ .. ــش لأبصرتها تجسّد غابة كل فرد و إن رأيت ابتسامًا .. منك يرجو طعامه و شرابه    كالعصابات هم و أي أمان .. سوف ترجوه من حياة العصابة لا يغرنك ما تراه جميلا .. من ربى او مناظر خلابة صاغها الله للعباد جمالًا .. فأحال الأنام ذاك خرابة لو تقام الحدود حقًا أقمنا.. في قلوب العباد حد الحرابة ضقت ذرعًا بهم و لولا رجائي .. لاعتزلت الورى و عفت الكتابة و يقولون كن كحسان شعرًا .. قلت لكن و أين عهد الصحابة كيف أرجو من الأباعد عزًّا .. إن يكن منبع الهوان القرابة لست ألقى و إن بحثت صديقًا .. إنه صار مثل ظل السحابة إن وفى بالعهود يومًا فحاذر .. و ترقبه طالبًا أتعابه ٤- و من قصيدة انا و هي و المطر  اعجبني قوله و قد اوجز  إلهي قد شكوت إليك قومًا ... عقولهم كأيديهم خفاف  ٥- و من قصيدة شكرًا يدي. اعجبني قوله  و من يغتر بالدنيا فإما ... غبي أو عن الدنيا تغابى و كن ذئبًا تعش فيهم سعيدًا .. و إلا سوف تلقاهم ذئابا  ٦- اورد الشاعر قصيدته في الرد على قصيدة نشرت بعنوان " سحالي نجد "  و كنت اتمنى لو انه ذكر القصيدة الأصل حتى يتبين لنا سبب رده و قوة معارضته و انا شخصيًا اعجبتني قصيدة السحالي و كنت اتمنى ان لو كان رد الشاعر اجزل و هو قادر على ذلك  علمًا بأن قصيدة " سحالي نجد " مطلعها  سمعت رنتها أثناء اطراقة .. فأسرعت ق فتح الخط اغلاقه  و لا اعلم لمن  و قد  قرأت ردًا باسم " ام عبدالعزيز " على هذه القصيدة و كان جميلاً بحق و مطلعها  مهلا هداك الذي آتاك ارزاقه .. و زاد حرفك بالإمصاف اشراقة ٧- من قصيدة رحمة الله عليه  اجاد الشاعر في وصف من يريد فقط ان ينتقد القصيدة   فوصفهم بقوله: يتأملون حروفها حتى غدت ... كبضاعة في كف من لن يشتري  ٨- و من قصيدة و ثوى البدر في رثاء الملك فهد رحمه الله  لم يرق لي ذم الموت  في قوله ا لم تر ان الموت اغدر من مشى .. و افجع من آوى و ابدع في المكر ، وإن كان جمع كبير من الشعراء قد تواتروا على ذلك الا ان فيه تجاوزا شرعيا لا ارتضيه للشاعر و احسبه - غفر الله له - كانت سهوًا منه  ٩ - لم اقرأ لشاعر بيتا في الاحماض الا حسبت فيه ظرافة  و لئن كان التطرق لذلك في عصرنا قد يتجنبه الشاعر خشية اساءة الظن فيه  الا ان اهل الادب يعلمون ان غالب ما يقال  - ان لم يكن الكل - هو من نسج الخيال لذا فإني رأيت ابياته الاربعة اللامية من وحي الخيال ، لأن توفيق الحكم يقول في مقدمة روايته    يوميات  نائب في الارياف : "لماذا أدون حياتي في يوميات ؟ أ لأنها حياة هنيئة ؟ كلا ! إن صاحب الحياة الهنيئة لا يدونها ، و إنما يحياها "

الأحد، 23 أكتوبر 2011

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (5)

أسعد الله أوقاتكم بكل خير

انتهيت من قراءة الجزء الخامس من كتاب نفح الطيب و قد وقفت فيه على مواضع قليلة و هي :

1- قال لسان الدين بن الخطيب :
إن بان منزله و شطت داره ... قامت مقام عيانه أخباره
قسِّمْ زمانك عَبرة أو عِبرة ... هذي ثراه و هذه آثاره

2- و قال أيضا :
أقمنا برهة ثم ارتحلنا ... كذاك الدهر حال بعد حال
و كل بداية فإلى انتهاء ... و كل إقامة فإلى ارتحال
و من سام الزمان دوام حال ... فقد وقف الرجاء على المحال

3- قال أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عنان فارس أن جده أمير المسلمين أبا سعيد سأل كاتبه عبدالمهيمن الحضرمي عن تهادي أهل الحُب التفاح دون الخوخ و كلاهما حسن المنظر طيب المخبر شديد شبيه بأخيه سديد تشبيه الوجنات به لمتوخيه ، فقال : ما عند مولانا؟
فقال : أرى ذلك لاشتمال التفاح على الحَب الذي يُذكر بالحُب و الهوى ، و الخوخ على النوى الذي يذكر اسمه صفرة الجوى .

أقول : لو أني – على كبر حجم الجزء – لم أظفر بغير هذه الحادثة لاكتفيت و رأيت أني غير مغبون

4- أطل السلطان أبو عنان من برج يشاهد الحرب بين الثور و الأسد على ما جرت به عادة الملوك ، فقال ابن جزي في وصف الحال:
لله يوم بدار الملك مر به ... من العجائب ما لم يجر في خلدي
لاح الخليفة في برج العلا قمرا ... يشاهد الحرب بين الثور و الأسد

5- و قال ابن جزي :
من أي أشجاني التي جنت النوى ... أشكو العذاب و هن في تنويع
من وصلي الموقوف أو من هجري الـ .. ـموصول أو من نومي المقطوع
أو من حديث تولهي و تولعي ... خبرا صحيحا ليس بالموضوع
يرويه خدي مسندا عن أدمعي ... عن مقلتي عن قلبي المفجوع

الأحد، 18 سبتمبر 2011

حسن حسني باشا الطويراني









صدرت لأخي العزيز و صديق العمر فهد محمد نايف الدبوس عدة مؤلفات
كنت قد تحدثت عن أحدها من قبل ( وعاء الحكم )


http://bo-abdulaziz.maktoobblog.com/880896/وعاء-الحكم/


و اليوم سأورد شيئا من كتابه


" حسن حسني باشا الطويراني , أديب موسوعي من القرن التاسع عشر "

يقع الكتاب في مئة صفحة
يتطرق فيه الباحث عن حياة الأديب حسن الطويراني فيبدأ بالتعريف بالأديب على طريقة أولين من حيث ذكر الاسم كاملا و تاريخ الميلاد والوفاة ثم لا يفوته ذكر الصفة الخلــْقية له
بعدها يتطرق الى المناصب التي تسنمها ثم يعرج على ذكر عائلته و معارفه و أصدقائه

ثم يستطرد بذكر مؤلفاته و يورد شيئا من شعره و نثره و لقد راق لي شيء من شعره

المذكور و هو قوله :
شجونــي فــيــك بادية الأوار
و حالي ظاهر مهمــا أواري
و سلطان الهوى ولاك أمري
فأمرك مثل دمعي فيّ جاري


و لقد أبدع بقوله :

قد حبب الموت لي عيشي لغصته
حبا لخلـوة قبري لو صفا عملي
فإن تجد خاليا يلـهــيــك مــنــظره
كذ ِّبْ ظنونك ما بين الأنام خلي


و أجاد بقوله :

لا تــقـل إنـي صديق
أو فلان لي صـديــق
إنــمـا أنـــت و هــذا
كرفيق فــي طريـــق
فاجـتـماع في اتساع
و افتراق وقت ضيق


و يضيف المؤلِّف عند حديثه عن رسالة للأديب الطويراني بعنوان
" النشر الزهري في رسائل النسر الدهري "
إنها رسالة قريبة من نمط المقامات و هي أخلاقية في قالب الخيال صاحبها يركب آلة الزمن و قد طبعت سنة 1888 ، فيُعتقد أنه سبق الأديب الانكليزي ج। ويلز و الفرنسي جول فيرن في باب الخيال العلمي

الجمعة، 15 يوليو 2011

إلى رابطة الأدباء بعد التحية

أسعد الله أوقاتكم بكل خير

بدأت علاقتي بالحضور الى منتدى المبدعين في رابطة الأدباء منذ سنة تقريبا ، و قد أحببت الطريقة التي يتداولون
فيها النص و التعليق عليه ، و أعجبت بروح الأخوة التي تسود بينهم ،إلا أن هذا و ذاك على حسنه لا ينفع طالب
العلم و المنتمي الى سلك الأدب شيئا ، فتقويم النصوص تقتله المجاملة و تحييه الصراحة و إن كانت ثقيلة

لهذا نظمت هذه الأبيات تعبيرا مني عما جاش في خاطري :

خـُذ شرح حالي عن دموعي الصيــِّــبــــة
إن أعــجــمــت كـُـتـُـبــي فـَهـــذي معربة

و انظر شواهـــد مــغرم أخذ الــهــــــوى
بـِـزمامــِـه و ألانَ مــنـــه مــُــصْــــعـَـبه




و متيم ٍ قــَــلِـــــــق الحــشـــــى و دوامه


في حـُسـْـن مُـتـْــعَـــبــَــــة النواظر أتعبه

مُــتـَـألــف فيها النــقــيـــض فـَـطـَـلـْـعَــة
ٌ مَــلـُــحَـــت و نـَـــبْــرة صوتها مــستعذبة

قد رَقّ في وجــَــنـــــاتها ماء الصــبــــا
و لها بــِغـُـصـن البان إن خـَـطـَرَتْ شَـبه

و محاسن خـَـفِــيَــت و خاطر ذي الهوى
كــشـــف الخـــفـــــيّ لـنـفـسه المتوثـبــة

يا ليلة سَمَحَ الحــبــيـــب لــعــــاشـــــــق
لِــيَــنــال بُـغـْـيَـتــــَـــــه و يُــنــجح مطلبه

ما كان من واش سوى الخـــفــّــــاق فـي
نبضاته والــجــيــد و هــــــي مـُـطـَـيَّــبــة (1)

و لطالــمــا غــلــب الحيا فـَكــِلاهــُـــما
فــي الحب غـِــــرٌّ لم يــكـــن ذا تــجـربة

و تعاهدا ، فـَـوَفى لـمــن قـــــد راقــــها
معْ غـــيــــره دورُ الــحــبــيــب لـتــلعبه


و مضى الصبا و لقد بُــلِــيـتُ بـِحال ِ من
فــيــهــم ظـــنـــونـــي لا تــــزال مخيــبـة

بأفاضل لو أحســنـــــوا رَعـْـــيَ الـــذي
حــمــلوا لـَــنـــالــُــوا فــيــه أرفــع مـرتبة

ما كـــــــان للأدبــــاء رابــطـــة ســـوى
من أجـــل ضـَــمّ شـتــاتـــــنــا المــتــشـعـبة

فـَعَـلامَ يــقــصـــر ســعــيـــها عن جذبنا
و إلامَ عــنــا لا تــــزال مـُـــحـَــجـَّــــبـــــة

أوَ لستَ تـنـظــر للـثــقــافــة بــعــدمــــا
هـــُــز ِلـــت و قـــد أضحـــت بحال مــتعبة

كم تــشــتـــكــي الأبصارُ فــيــها مــنظرا
دُورًا مــعــــطـــلـــة و تــَصْـــفــَـــرُ مـكتبة

أسفــًا لقد عجزت و كــنـــت أظـــــــنــها
كالأمــــس للأدبـــاء أمـًّــــا مـُـنـْــجـِــــبــــة


و أخ ٍ أطـَـلَّ بـِـنـَـــصِّـــــهِ مُــتــَـمَــنـِّـيًــا
أن يــســتــقــيــــم بـــنـــقـــدكـــم و يــهــذبه

فأتاه "درويش" بـِـمِعـْــــوَل ِ هــَــــدْمـــِـه
منكم و " دنــقــل " فــيــه أنــشب مــخــلبه

من مــعــشــــر لم تــتــخـــذ رمــــزيـــة
إلا لـِـسـِــتـْــر جــهــالــــة مــتــرســـبـــــة

و هل القــصــيـــدة غير أفــكـــار أتــــت
مــفــهومـــة وفـــــق الــنــظـــام مـُــرتــَّــبـة

فــعــلام نــجــعــلــها رموزا أعـيت الــــ
ـأفــهــام عــــن إدراكـــهـــا مـــســتــصـعبة

يا خــيــبــة الآمال فــــــي النــشء الـــذي
تــَـبـِــعَ الــتــحــرر و هـــو يــجــهــل مذهبه

من أين تــَـسْــتــَـــسْـقي الظـِّــــماءُ و أنــتم
-عــفــوًا - علــى أرض خـــواء مــجـــدبة


يا منــتــدى الإبداع نــَـفـْـثــَـــــــة َ وامــِــق ٍ
كـَـــره الحــقــيــقــة أن تـــكـــون مــغــيّــبة

مُــتـَــقــَـلـِّــب بــمــزاجه فــتـــقـــبــــلـــوا
مـــن شــاعــر قـــلـــق الــمـزاج تـَـقــَلـُّــبــه

لا تــُـخـْـدَعــَـــنَّ بــِـــمــَـــن يكيل مديـــحه
في الــنــص يـــُـــظـْـــهـِـــر أنه قد أعــجــبه

يـُـبْــدي الردود مُعــادة كــــــم ســـــاقــَــها
لـــِـسـِـــواكـُـم لا تـُـسْــتــســـاغ مـُـعـَــلـَّــبــة

و لو انه مـُـــغـْــــرى بــــه لـــرأيـــتــــــه
عَــــجْــلانَ لــــم يـُـمْــهـِـلـْـكَ حــتـى يكــتــبه
-----

1- بحثت عن الجيد فلم أجدها مؤنثة ، و كنت كتبت [ اللـِّـيت ] بدلا منها و تعني صفحة العنق
و هي تؤدي نفس المعنى الا انني ابقيت الجيد حتى يصل المعنى الى القارئ سريعا إذ خشيت
أن يعمى معناها على القارئ لأول وهلة و لم أشأ قطع النص عليه ليبحث عن معناها ، فعذرًا

السبت، 30 أبريل 2011

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (4)

اسعد الله أوقاتكم بكل خير
انتهيت قبل أيام من الجزء الرابع لكتاب نفح الطيب و سأورد هنا ما راق لي منه :

قال ابن شرف أبو الفضل بن عبدالله :
لم يبق للجور في أيامكم أثر ... إلا الذي في عيون الغيد من حور

و قال أبو علي ادريس بن اليماني العبدري :
ثقلت زجاجات أتتنا فرّغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت أن تطير بما حوت ... و كذا الجسوم تخف بالأرواح

و رأى ابن اللبانة أحد ابناء المعتمد و هو غلام وسيم و قد اتخذ الصياغة صناعة و كان يلقب أيام سلطانهم من الألقاب السلطانية بفخر الدولة فنظر إليه و هو ينفخ الفحم بفصبة الصائغ و قد جلس في السوق يتعلم الصياغة ، فقال :
شكاتنا لك يا فخر العلا عظمت ... و الرزء يعظم ممن قدره عظما
طــُوِّقت من نائبات الدهر مخنقة ... ضاقت عليك و كم طوقتنا نعما
و عاد طوقك في دكان قارعة ... من بعدما كان في قصر حكى إرما
صرفت في آلة الصواغ أنملة ... لم تدر الا الندى و السيف و القلما
بد عهدتك للتقبيل تبسطها ... فتستقل الثريا أن تكون فما
يا صائغا كانت الدنيا تصاغ له ... حليا و كان عليه الحلي منتظما
وددت إذ نظرت عيني إليك به ... لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى
ما حطك الدهر لما حط من شرف ... و لا تحيف من أخلاقك الكرما
لح في العلا كوكبا إن لم تلح قمرا ... و قم بها ربوة إن لم تقم علما


قال ابن خفاجة :
تفاوت نجلا أبي جعفر ... فمن متعال و من منسفل
فهذا يمين بها أكله ... و هذا شمال بها يغتسل

خرج الأديب النحوي هذيل الإشبيلي يوما من مجلسه فنظر الى سائل عاري الجسم
و هو يرعد و يصيح : الجوع و البرد ، فأخذ بيده و نقله الى موضع بلغته الشمس و قال له : صح الجوع فقد كفاك الله مؤونة البرد

و قال صالح بن شريف الرندي في المقص :
و مجتمعين ما اتهما بعشق ... و إن وصفا بضم و اعتناق
لعمر أبيك ما اجتمعا لشيء ... سوى معنى القطيعة و الفراق

و عند ذكر ابن زيدون و ولادة قال المصنف :
و وفت بما وعدت و لما أرادت الانصراف ودعته بهذه الأبيات :
ودع الصبر محب ودعك .... إلى آخرها
و هذه الأبيات ليست لولادة و إنما لابن زيدون و ربما كان هناك غلط من الناسخ حيث ورد في كتاب " نزهة الجلساء في أخبار النساء " للسيوطي :
و وفت بما وعدت و لما أرادت الانصراف ودعها بهذه الأبيات

و قال أبو جعفر بن البني :
أقول و قد شممت الترب مسكا ... بنفحتها يمينا أو شمالا
نسيم جاء يبعث منك طيبا ... و يشكو من محبتك اعتلالا

و قال ابو بكر الداني في المعتمد و هو بأغمات :
تنشق بريحان السلام فإنما ... أفض به مسكا عليك مختما
و قل لي مجازا إن عدمت حقيقة ... لعلك في نعمى فقد كنت منعما
أفكر في عصر مضى بك مشرقا ... فيرجع ضوء الصبح عندي مظلما
لئن عظمت فيك الرزية إننا ... وجدناك منها في الرزية أعظما
قناة سعت للطعن حتى تقسمت ... و سيف أطال الضرب حتى تثلما
و منها :
بكى آلَ عباد و لا كمحمد ... و أولاده صوب الغمامة إذ همى
حبيب إلى قلبي حبيب لقوله ... "عسى طلل يدنو بهم و لعلما "
صباحهم كنا به نحمد السرى ... فلما عدمناهم سرينا على عمى
و كنا رعينا العز حول حماهم ... فقد أجدب المرعى و قد أقفر الحمى
قصور خلت من ساكنيها فما بها ... سوى الادم تمشي حول واقفة الدمى
تحيب بها الهام الصدى و لطالما ... أجاب القيان الطائر المترنما
كأن لم يكن فيها أنيس و لا التقى ... بها الوفد جمعا و الخميس عرمرما

و ذكر المصنف عند حديثه عن المعتمد :
قال غير واحد : من النادرالغريب أنه نودي في جنازته " الصلاة على الغريب " بعد عظم سلطانه و سعة أوطانه .

و أقول : و الغريب أن يبلغ هذا القول أحدا يعرف المعتمد و لا يرد على المنادي
بل و اذا قبلنا بهذا القول فكيف عرف قبره بعد ذلك و هو غريب
فلعل في هذه المقولة بعض المبالغة

مر المعتمد مع وزيره ابن عمار ببعض أرجاء اشبيلية فلقيتهما امرأة ذات حسن مفرط فكشفت وجهها و تكلمت بكلام لا يقتضيه الحياء وكان ذلك بموضع الجباسين الذين يصنعون به الجبس و الجيارين الصانعين للجير بإشبيلية فالتفت المعتمد الى موضع الجيارين و قال : يا ابن عمار الجيارين ، ففهم ابن عمار مراده و قال في الحال : يا مولاي و الجباسين
فلم يفهم الحاضرون المراد و تحيروا فسألوا ابن عمار فقال له المعتمد : لا تبعها منهم الا غالية ، و تفسيرها ان ابن عباد صحف " الحيا زين " بقوله الجيارين إشارة إلى أن تلك المرأة لو كان لها حياء لازدانت ، فقال له ابن عمار و الجباسين و تصحيفه " و الخنا شين " أي هي و أن كانت جميلة بديعة الحسن لكنت الخنا شانها ، و هذا شأو لا يلحق

قال ابن حمديس :
أراك ركبت في الأهوال بحرا ... عظيما ليس يؤمن من ركوبه
تسيّر فلكه شرقا و غربا ... و تفدع من صباه إلى جنوبه
و أصعب من ركوب البحر عندي ... أمور ألجأتك إلى ركوبه

و قال المصنف :
".... و بالهزمة التي تظهر في أذقان بعض الأحداث و تعتري بعضهم في الخدين عند الضحك ، فأماتي في الذقن فهي النونة .... و أما التي في الخدين فهي الفحصة"

أقول : و أحسب الفحصة هي ما تسمى بلهجتنا " الغـَمـّازة "

و قال الخفاجي ( ابن سنان الخفاجي ) :
و هاتفة في البان تملي غرامها ... علينا و تتلو من صبابتها صحفا
عجبت لها تشكو الفراق سفاهة ... و قد جاوبت من كل ناحية إلفا
و يشجي قلوب العاشقين أنينها ... و ما فهموا مما تغنت به حرفا
و لو صدقت فيما تقول من الأسى ... لما لبست طوقا و لا خضبت كفا

و قال عبدالحق الإشبيلي :
إن في الموت و المعاد لشغلا ... و ادكارا لذي النهى و بلاغا
فاغتنم خطتين قبل المنايا ... صحة الجسم يا أخي و الفراغا

و قال صالح بن شريف الرندي :
و لا تقصر في اغتنام المنى ... فما ليالي الأنس الا قصار
و إنما العيش لمن رامه ... نفس تدارى و كؤوس تدار

الخميس، 24 مارس 2011

الروض الباسم و العرف الناسم

اسعد الله مساءكم بكل خير
انتهيت قبل قليل من قراءة كتاب " الروض الباسم و العرف الناسم " لأبي الصفاء خليل بن أيبك الصفدي
تحقيق الدكتور محمد عبدالمجيد لاشين
يقع الكتاب مع المقدمة في مئتين و تسع و سبعين صفحة من دون الفهارس

و الكتاب بمجمله يورد أبياتا للأديب صلاح الدين الصفدي و هي بالأحرى مقطعات تناول فيها أغراضا عدة

و سأورد هنا ما أعجبني من الكتاب :
- حكي أن الأمير بدر الدين بيليك الخازندار أحضره الى القاهرة تاجر كان يحسن إليه و هو في رقه ، فلما باعه تنقلت به
الأيام الى ما صار إليه و افتقر التاجر فيما بعد ، فحضر إليه بالديار المصرية و كتب له رقعة فيها هذان البيتان :
كنا جميعين في بؤس نكابده ... و القلب و الطرف منا في أذى و قذى
و الآن أقبلت الدنيا عليك بما ... تهوى ، فلا تنسني " إن الكرام إذا "
و يشير الى قول أبي تمام :
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
فأعطاه عشرة آلاف درهم ، قال الصفدي : و هذا عندي أشرف من التضمين الكامل و أطرب للفهم و أعذب للسمع

- و قال الصفدي و هو مضمن :
و لي صاحب لو شريت الودا ... د منه بروحي لن أغبنا
ترحلت عنه و عندي له ... من الشوق ما عنده لي أنا
أجهز غارات شوقي له ... فتلقى تشوقه قد دنا
و في كل وقت هما في وغى... فقد تعب الشوق ما بيننا

و لم يشر المحقق إلى مكان التضمين غير أني أحسبه عجز البيت الأخير فهو مأخوذ من قول ابن زهر الطبيب :
و لي واحد مثل فرخ القطاة ... صغير تخلفت قلبي لديه
و أفردت عنه فيا وحشتا ... لذاك الشخيص و ذاك الوجيه
تشوقتني و تشوقته ... فيبكي علي و أبكي عليه
و قد تعب الشوق ما بيننا ... فمنه إلي و مني إليه

و برأيي إن أبيات ابن زهر أرق و ألطف من أبيات الصفدي

- و قال الصفدي :
بدت ثريا قرطها ، و شعرها ... متصل بكعبها كما ترى
يا عجبا لشعرها لما ابتدى ... من الثريا و انتهى الى الثرى

- و قال الصفدي :
أقول و حر الرمل قد زاد وقده ... و ليس إلى شم النسيم سبيل
أظن نسيم الجو قد مات و انقضى... فعهدي به في الشام و هو عليل

- و كتب الصفدي من الأهرام الى بعض الأصحاب في القاهرة و فيه تورية :
رحلت و ذكركم في الحشا ... كجمر توقد حتى اضطرم
يصاحبني من زمان الصبى ... و ما زال حتى بلغت الهرم

- و كتب الصفدي لمن بعث إليه نسخة كتاب " الفلك الدائر على المثل السائر " :
فديت مولى خالني مقترا ... فعمني بالنائل الغامر
لم يرض بالأرض على قدره ... فجاد لي بالفلك الدائر
فراح مدحي في علا مجده ... مشتهرا كالمثل السائر

الأربعاء، 16 مارس 2011

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 3

أسعد الله أوقاتكم بكل خير
انهيت قبل أيام الجزء الثالث من كتاب نفح الطيب و أحببت أن أورد ما راق لي منه :
1- حكي أن صاعدا اللغوي قال : جمعت خرق الأكياس و الصرر التي قبضت فيها صلات المنصور بن أبي عامر فقطعت لكافور الأسود غلامي منها قميصا كالمرقعة و بكرت به معي الى قصر المنصور فاحتلت في تنشيطه حتى طابت نفسه فقلت : يا مولانا لعبدك حاجة ، فقال : اذكرها قلت : وصول غلامي كافور الى هنا ، فقال : و على هذه الحال ؟ فقلت : لا أقنع بسواه الا بحضوره بين يديك فقال : أدخلوه ، فمضل قائما بين يديه في مرقعته و هو كالنخلة اشراقا ، فقال : قد حضر و إنه لباذ الهئية ، فمالك أضعته ؟ فقلت يا مولانا هنالك الفائدة : اعلم يا مولاي أنك وهبت لي اليوم ملء جلد كافور مالا ، فتهلل و قال : لله درك من شاكر مستنبط لغوامض معاني الشكرو أمر لي بمال واسع و كسوة و كسا كافورا أحسن كسوة
2- كتب السيد أبو الربيع سليمان بن عبدالله بن أمير المؤمنين عبدالمؤمن بن علي الى السيد أبي الحسن علي بن عمر بن أمير المؤمنين عبدالمؤمن :
اليوم يوم الجمعة ... يوم سرور و دعة
و شملنا مفترق ... فهل ترى أن نجمعه
3- قال ابو الفضل الدارمي البغدادي في جارية تبخرت بالند :
و محطوطة المتنين مهضومة الحشا ... منعمة الأرداف تدمى من اللمس
إذا ما دخان الند من جيبها علا ... على وجهها أبصرت غيما على شمس
4- قال أبو الحسن سلام بن سلام المالقي :
لما ظفرت بليلة من وصله ... و الصب غير الوصل لا يشفيه
أنضجت وردة خده بتنفسي ... و طفقت أرشف ماءها من فيه
5- قال - و أحسبه الشقندي في رسالة له في محاسن الأندلس و تفضيلها على بر العدوة - عند حديثه عن مرسية :و قد اختصت بالحصر التي تغلف بها الحيطان المبهجة للبصر
أقول : لكأنها نموذج أولي لورق الجدران الذي نستخدمه اليوم " wall paper "

6- قال أبو عمران موسى بن عمران المارتلي :
لا تبك ثوبك إن أبليت جدته ... و ابك الذي أبلت الأيام من بدنك
و لا تكونن مختالا بجدته ... فربما كان هذا الثوب من كفنك
و لا تعفه أذا أبصرته دنسا ... فإنما اكتسب الأوساخ من درنك

7- كانت لأبي بكر ابن مجبر وفادة على المنصور الموحدي في كل سنة فصادف في إحدى وفاداته فراغه من إحداث المقصورة التي كان أحدثهابجامعه المتصل بقصره في حضرة مراكش و كانت قد وضعت على حركات هندسية ترفع بها لخروجه و تخفض لدخوله أقول : انظر إلى أي تطور وصلوا إليه
8- و انظر دقة النقد في حادثة ابن دراج و المطرف بن عمر :
حضر المطرف بن عمر المرواني مع شاعر الأندلس في زمانه ابن دراج القسطلي فقال له القسطلي : أنشدني أبياتك التي تقول فيها :
" على قدر ما يصفو الخليل يكدر "
فأنشده :
تخيرت من بين الأنام مهذبا ... و لم أدر أني خائب حين أخبر
فمازجني كالراح للماء و اغتدى ... على كل ما جشمته يتصبر
إلى أن دهاني إذ أمنت غروره ... سفاها و أداني لما ليس يذكر
و كدر عيشي بعد صفو و إنما ... على قدر ما يصفو الخليل يكدر
فاهتز القسطلي و قال : و الله إنك في هذه الأبيات لشاعر و أنا أنشدك فيما يقابلها لبلال بن جرير :
لو كنت أعلم أن آخر عهدهم ... يوم الفراق فعلت ما لم أفعل
و لكن جعل نفسه فاعلا و عرضتَ نفسك لأن يقال : إنك مفعول فقال : و من أين يلوح ذلك ؟فقال قسطلي : من قولك
" و أداني لما ليس يذكر "
*قال المؤلف يصف دار جمال الملك البغدادي :
و صنع فيها الحمام العجيب الذي فيه بيت مستراح فيه أنبوب إن فركه الإنسان يمينا خرج ماء حار و إن فركه شمالا خرج ماء بارد

10- لما قبض المعتصم على خلف بن فرج السميسر ، سأله عما قاله في ابن بلقين صاحب غرناطة فقال السميسر :
لما رأيته مشغوفا بتشييد قلعته التي يتحصن فيها بغرناطة قلت :
يبني على نفسه سفاها ... كأنه دودة الحرير
فقال له المعتصم : لقد أحسنت في الإساءة إليه ، فاختر : هل أحسن إليك و أخلي سبيلك أم أجير منه ، فقال :
خيرني المعتصم ... و هو بحالي أعلم
و هو إذا يجمع لي ... أمنا و منـًّـا أكرم
11- قال راشد بن عريف الكاتب :
جُمّع في مجلس ندامى ... تحسدني فيهم النجوم
فقال لي منهم نديم ... ما لك إذ قمتُ لا تقوم
فقلت إن قمت كل حين ... فإن حظي بكم عظيم
و ليس عندي إذن ندامى ... بل عندي المقعد المقيم
فلله دره
- قال أبو الحسن اللورقي :
لم لا أحب الضيف أو ... أرتاح من طرب إليه
و الضيف يأكل رزقه ... عندي و يحمدني عليه

الجمعة، 4 فبراير 2011

الهول المعجب في القول بالموجب

كتاب " الهول المُعجـِب في القول بالموجب " للأديب أبي الصفاء خليل بن أيبك الصفدي تحقيق الدكتور
محمد عبدالمجيد لاشين - دار الآفاق العربية - الطبعة الأولى 1425 هـ ، 2005 م
يقع الكتاب في 191 غير الفهارس
شاء محقق الكتاب أن يجعل مقدمة الكتاب للحديث عن الصفدي و عصره فتحدث عن الحياة السياسية و الاجتماعية و
الثقافية فيه ثم تطرق الى الحديث عن الصفدي شأن أي محقق عند الحديث عن المؤلف
يتحدث الصفدي عن القول بالموجب و هو - كما فهمته - حمل كلام المتكلم مع تقريره على خلاف مراده
هذا هوالتعريف الذي استوعبته أما غيره من التعاريف فلم أفهمها و لكن بالأمثلة يتضح المقصود :
* قال الغضبان بن القبعثري - و كان من زعماء الخوارج - و كان مع صحابة له في بستان و ذكر الحجاج فدعا عليه
قائلا : " اللهم سود وجهه و اقطع عنقه و اسقني دمه "
فلما ظفر به الحجاج سأله عن ذلك فقال : أردت العنب ، فقال الحجاج متوعدا : لأحملنك على الأدهم
فقال : مثل الأمير يحمل على الأدهم و الأشهب
قال : ويلك إنه حديد
فقال : لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا
" فصرف الوعيد بالهوان الى الوعد بالإحسان "
و الأبيات التي أوردها الصفدي في الكتاب أغلبها ذات معنى و فكرة ظريفة غير أنني أعجبت بالآتي :
1- كان عبدالباقي بن محمد المعروف بابن ناقيا قد قرأ على ابن الشبل البغدادي ثم وقع بينهما و تقاطعا و تهاجيا فقيل له
يوما :أ لم تكن قرات على الشيخ ابن الشبل ؟
فقال : بلى ، و إلا من أين لي هذه البلادة التي فيّ
فبلغ ذلك ابن الشبل فقال :
فقل ما شئت إن الحلم دأبي ...و شأني الخير إن حاولت شرا
فأنت أقل أن تلقى بذم ... مجاهرة ، و أن تغتاب سرا
2- قال بهاء الدين زهير :
إلى كم أقاسي لوعة بعد لوعة ... و حتى متى يا بين أنت معي معي
و قالوا : علمنا ما جرى منك بعدنا ... فلا تظلموني ما جرى غير أدمعي
3- و عند حديث المحقق عن الحياة الثقافية في عصر الصفدي و تطرقه الى العلوم العقلية تعرض لذكر نهضة العرب
فذكر أن محمد بن بادي أبي بكر ، شمس الدين الطيبي كان يستعمل نظارة طبية .
و قد أورد الصفدي في كتابه أعيان العصر و أعوان النصر في ترجمة شمس الدين الطيبي ما يلي :
وأنشدني من لفظه لنفسه في العيون الزجاج التي يعانيها من ضعف بصره لرؤية الخط الدقيق، ويضعها على أنفه:
لهفي على دولة التصابي ...وحق لي أن يزيد لهفي
كانت عيوني من فوق خدي ... فاليوم أمست من فوق أنفي

و ختاما فقد أعجبتني ثقافة المحقق و وضعه نبذة عن الأعلام المذكورين في الكتاب و الكلمات الدارجة في عصر
الصفدي مما قد تخفى على القارئ

الأربعاء، 22 ديسمبر 2010

في السوق

كنت في أحد محلات سوق الأقمشة ( البلوكات ) و كان الزوج واقفا مع زوجته التي سألته و قد عرضت الأقمشة أمامها :
ماذا ترى ؟
فقرأت في وجهه :

قد سألتني زوجتي ... أن نقصد المتاجرا
لساعة كي تشتري ... الأقطان و الحرائرا
جاءت لشيء واحد ... فـَـجـَـرّ شيئا آخرا
فثالثا و رابعا ... و تاسعا فعاشرا
حتى إذا ما أصدرت ... للعامل الأوامرا
لينزل الطاقات بل ... و يحضر المساطرا
و التفتت نحوي و حا...لي لا تسر الناظرا
تسألني : ماذا ترى ... فقلت : أن نغادرا

السبت، 4 ديسمبر 2010

ديوان ابراهيم طوقان

اسعد الله أوقاتكم بكل خير
انتهيت قبل أيام من قراءة ديوان ابراهيم طوقان الصادر عن مؤسسة جائــزة عبالعزيز البابطين للإبداع الشعري
- إعداد و ترتيب : ماجد الحكواتي

و لقد وقفت على مجموعة أبيات أعجبتني فأحببت أن تشاركوني بها :

1- يقول ابراهيم طوقان و قد تجلت ظرافته و حسه الفكاهي :
و طبيب رأى صحيفة وجهي ... شاحبا لونها و عودي نحيفا
قال لا بد من دم لك نعطيـــ ... ـــه نقيا ملء العروق عنيفا
لك ما شئت يا طبيب و لكن ... أعطني من دم يكون خفيفا

2- و قال في قصيدته " في المكتبة " و أبدع :
و غريرة في المكتبة ... بجمالها متنقبة
أبصرتها عند الصبا... ح الغض تشبه كوكبة
جلست لتقرأ أو لتكــ ... ــتب ما المعلم رتبه
فدنوت أسترق الخطى ... حتى جلست بمقربة
و حبست حتى لا أرى ... أنفاسي المتلهبة
و نهيت قلبي عن خفو ... ق فاضح فتجنبه

إلى أن قال :

يا ليت حظ كتابها .... لضلوعي المتعذبة
حضنته تقرأ ما حوى .... و حنت عليه و ما انتبه
فإذا انتهى وجه و نا ... ل ذكاؤها ما استوعبه
سمحت لأنملها الجميــ ... ــل بريقها كي تقلبه
و سمعت و هي تغمغم الـ ... ــكلمات نجوى مطربة
و رأيت في الفم بدعة ... خلابة مستعذبة
إحدى الثنايا النيرا ... ت بدت و ليس لها شبه
مثلومة من طرفها ... لا تحسبنها مثلبة
هي لو علمت من المحا ... سن عند أرفع مرتبة
هي مصدر السينات تكــ ... ــسبها صدى ما أعذبه

3- و قال في قصيدته " ليلى كوراني " و قصتها أن السيد إلياس كوراني - استاذ في الجامعة الأميركية- رزق بطفلة حار في تسميتها فكانت سعادا ثم منى ثم قر قراره على ليلى . و قد دعا من معلمي الجامعة الأميركية إلى حفلة أنس في داره فألقيت هذه الأبيات :
بين ليلى و سعاد و منى ... حار إلياس كما حرت أنا
غير أني لا أرى من عجب ... أن يكون الاسم قد حيرنا
تكثر الأسماء في شيء إذا ... كثر المعنى به أو حسنا
طفلة عن والديها نسخة ... كرمت أصلا و طابت معدنا
قل لوجه البدر إن قابلته ... جاءك الحسن انعكاسا من هنا
لكن البشرى بليلى أنها ... أول الأزهار في روض الهنا


4- و قال هذه الأبيات التي نظمها على إثر خروجه من المستشفى الألماني في القدس بعد أن أجريت له عملية جراحية كبرى :
إليك توجهت يا خالقي ... بشكر على نعمة العافية
إذا هي ولت فمن قادر ... سواك على ردها ثانية
و ما للطبيب يد في الشفاء ... و لكنها يدك الشافية
تباركت أنت معيد الحياة ... متى شئت في الأعظم البالية
و أنت المفرج كرب الضعيف ... و أنت المجير من العادية


5- و قال في قصيدته " السماسرة " التي أشار فيها الى بعض الجرائد المأجورة التي كانت تدافع عن فئة من السماسرة و تستر خيانتهم :
أما سماسرة البلاد فعصبة ... عار على أهل البلاد بقاؤها
إبليس أعلن صاغرا إفلاسه ... لما تحقق عندع إغراؤها
يتنعمون مكرمين كأنما ... لنعيمهم عم البلاد شقاؤها
هم أهل نجدتها و إن أنكرتهم ... و هم و أنفك راغم زعماؤها
و حماتها و بهم يتم خرابها ... و على يديهم بيعها و شراؤها
و من العجائب إن كشفت قدروهم ... أن الجرائد بعضهن غطاؤها
كيف الخلاص إذا النفوس تزاحمت ... أطماعها و تدافعت أهواؤها

أقول : و كأنني و أنا اقرأ القصيدة أشعر بنفس الرصافي فيها


في الختام لا بد من إشارة :

نظم الشاعر قصيدة في فتاة لبنانية اسمها سارة الخطيب و جاء أحد أبياتها كالتالي :
و انت كاسمك " سارة " لا بل أنت مصدره ... " السرور " و سره و أجل الناس سماكِ

فعلق معد الديوان " ماجد الحكواتي " في الهامش بقوله : البيت فيه خلل عروضي
و لم يكن مخطئا في ذلك غير أنه لو اعاد النظر في البيت لعلم أن كلمتي " سارة ، السرور " ليستا من أصل البيت
فالبيت أصله : و انت كاسمك لا بل انت مصدره ... و سره و أجل الناس سماك
و اما سارة و السرور فوضعتا لبيان المراد ، فإن الشاعر حينما قال :[ و انت كاسمك] كتب سارة ليتبين مقصوده
و حينا قال :[ لا بل أنت مصدره] كتب السرور ليعلم ما أراد ، و أحسب أن الشاعر - و كعادة كثير من الشعراء - يدون
مقصده فيما يخشى أن يغمض فهمه على القارئ و يكون التدوين فوق الكلمة او على الهامش و هنا يبدو أن جاء فوق الكلمة فالتبس على الأخ ماجد و ظنها من صلب البيت

الجمعة، 12 نوفمبر 2010

كشف الحال في وصف الخال

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

اسعد الله أوقاتكم بكل خير

كلما قرأت للصفدي كتابا عجبت لسعة حفظ علمائنا الأوائل إذ كيف يتسنى لهم استحضار مادة الكتاب حين لم يكن لديهم وسائل مساعدة كالتي عندنا اليوم - قوقل مثلا - فعندما يأتي الصفدي و يؤلف كتابا ككتابنا الذي نحن بصدده أعجب له كيف يستحضر الكثير من الأبيات ذات الصلة ، و لئن افترضنا أنه يدون ما يمر عليه أثناء قراءاته فهو إذن ذو خاطر يعمل طوال الوقت حيث لديه عناوين شتى يقوم بملئها اثناء قراءته و هو أمر أعجب

نعود لكتابنا :
يتألف الكتاب من 134 صفحة و هو بتحقيق محمد عايش -طبعة دار الأوائل سنة 2006
يتحدث الصفدي فيه أولا عن الخال- ما تسميه العامة "حبة خالة" - لغة و ما يتعلق به
ثم في حقيقة الخال و سبب وجوده في مكان دون غيره
ثم ينتهي إلى ما جاء في وصف الخال شعرا

و قد اعجبني مما ورد في الكتاب من أشعار :

1- قال أبو اسحق الغزي يهجو الوزير علي بن أحمد السميرمي :
كمال سميرم للملك نقص ... كما سميت مهلكة مفازة
لئن رفعت محلته الليالي ... فكم رفعت على كتف جنازة

2- قال الصفدي :
مليح حلا في كل قلب و ناظر ... و كل ضمير نحوه يتلفت
أتى باختلافات المنى في جماله ... فما فيه ما يستدرك المتعنت

3- قال ابن منير الطرابلسي :
لا تخالوا خاله في خده ... قطرة من صبغ مسك نطفت
تلك من نار فؤادي جذوة ... فيه شبت و انطفت ثم طفت

4- قال ابن نباتة :
سألته عن قومه فانثنى ... يعجب من إسراف دمعي السخي
و أبصر المسك و بدر الدجى ... فقال ذا خالي و هذا أخي

أقول : على حلاوة البيت و ظرافته فلم أجد ربطا بين السؤال و سخاء الدمع ، و أعجب للصفدي عدم تعليقه و هو الذي يستدرك مثل هذه
الأمور و له تلك اللفتات ، إلا أن يكون احترامه لشيخه منعه من ذلك


5- و قال محيي الدين بن عبدالظاهر :
أرى الخال من وجه الحبيب بأنفه ... و موضعه الأولى به صفحة الخد
و ما ذاك إلا أنه من تلهب ... توارى يريد البعد من شدة الوقد

6- و قال شهاب الدين بن الخيمي :
و عذول لج في عذلي إذ ... لم ير الخال على الخد الأسيل
لو رأى وجه حبيبي عاذلي ... لتفاصلنا على وجد جميل

7- قال شرف الدين حسين بن ريان :
لاحت عل مبسمه المشتهى ... ثلاث شامات غدت في التزام
لا تعجبوا إن كثرت حوله ... " فالمورد العذب كثير الزحام "

8- و قال شمس الدين محمد بن التلمساني :
و أهيف فاق الورد حسنا بوجنة ... أنزه طرفي في رياض جنانها
كأن به من حول خاليه جمرة ... " تشب لمقرورين يصطليانها "


و ختاما فلا بد من كلمة :

تمنيت لو أن محقق الكتاب بعد الجهد الكبير الذي بذله - و هي عادته في تحقيقات كتب الصفدي التي قرأتها - في تخريج الأبيات و إيراد ترجمة لمن يرد اسمه في الكتاب ، ليته بذل جهدا أقل و صفى الكتاب من شوائب أخلت ببهجته تتمثل في الأخطاء الطباعية الكثيرة

و مع ذلك فله الشكر الجزيل على جهده المبذول

الأحد، 7 نوفمبر 2010

تشنيف السمع في انسكاب الدمع

اسعد الله اوقاتك بكل خير
انتهيت مساء أمس من قراءة كتاب " تشنيف السمع في انسكاب الدمع "لصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي
تحقيق : محمد عايش ، يقع الكتاب في 215 صفحة الطبعة الثانية 2007 صادرعن" صفحات للدراسات و النشر"
يتحدث فيه الصفدي عن كل ما يتعلق بالدمع من ناحية اللغة و ذكر مرادفاته و ما يطلق عليه اسم العين ثم
يسترسل ليتحدث عن الأشياء التي وصف بها الدمع و يأتي على ذكر الاشعار التي وردت في ذلك
شأن الصفدي في كل موضوع يتناوله
و قد أعجبتني عدة أبيات وردت في الكتاب أغلبها ذات تورية :
1- قال الشاعر ذو القرنين ابن ناصر الدولة بن حمدان :
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا ... و شهدت حين نكرر التوديعا
أيقنت أن من الدموع محدثا ... و علمت أن من الحديث دموعا

2- قال ابن النبيه :
خذ من حديث شؤونه و شجونه ... خبرا تسلسه رواة جفونه
لولا فضيحة قلبه بدموعه ... ما زال شك رقيبه بيقينه

3- و أبدع السراج الوراق بقوله :
يا نازح الطيف مر نومي يعاودني ... فقد بكيت لفقد الظاعنين دما
أوجبت غسلا على عيني بأدمعها ... و كيف و هي إذن لم تبلغ الحلما

فلله دره
4- قال محمود الخوارزمي صاحب الكشاف يرثي شيخه أبا مضر :
و قائلة ما هذه الدرر التي ... تساقط من عينيك سمطين سمطين
فقلت لها الدر الذي قد حشى به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني

5- أرسل الصاحب زين الدين الى السراج الوراق هذين البيتين :
أهدى له البرق من أحبابه خبرا ... فبات ناظره يستعذب السهرا
و حدثته نسيمات الصبا سحرا ... فلا تسل عن حديث الدمع كيف جرى

6- و قال بهاء الدين زهير :
رويدك قد أفنيت يا بين أدمعي ... و حسبك قد أحرقت يا شوق أضلعي
إلى كم أقاسي لوعة بعد لوعة ... و حتى متى يا بين أنت معي معي
و قالوا علمنا ما جرى منك بعدنا ... فقلت ظلمتم ما جرى غير أدمعي

أقول : و لو كان غير البهاء لما قبلت منه تكرار " معي " لإمكان دخول أي كلمة بدلا عنها لكني دائما أتصور البهاء
- لعذوبة شعره و سهولة ألفاظه - ينظم البيت ارتجالا و هو متكئ فأقبل منه عفويته الشعرية التي لا ارتضيها من غيره
و أحسب البهاء هو المعني بقول صاعد اللغوي لما أمر المنصور بن أبي عامر بمعارضة قصيدة لأبي نواس:
إنّي لأستحيي علا ...ك من ارتجال القول فيه
من ليس يدرك بالرويــ ...ــة كيف يدرك بالبديه

و على ذكر صاعد فإن له أخبارا رائقة ذكرها المقري في كتابه نفح الطيب المجلد الثالث ، فمن أرادها فلينظرها في
موضعها
7- و قال البدر يوسف بن لؤلؤ الذهبي :
رفقا بصب مغرم ... أبكيته صدا و هجرا
وافاك سائل دمعه ... فرددته في الحال نهرا

و قبل ختام القول :
لما شرعت بقراءة الكتاب شككت - على تأكيد المحقق نسبة الكتاب للصفدي - بكون الكتاب من تأليف الصفدي لأن نثره
في المقدمة ليس ذاك النثر الذي عهدته من الصفدي لكنني لما قرأت الاختيارات تجلت فيها روح الصفدي حيث إنه يشتهر
بكثرة أيراد شعر شعراء عصره و له ذوق خاص به عند الاختيارات
و ليس في الكتاب ما يعيب سوى بعض الاخطاء الطباعية و اختلال الوزن في بعض الاشعار التي أكبر المحقق أن تفوته
و لكن يبقى له الشكر أخيرا على اخراج هذا الكتاب

الخميس، 21 أكتوبر 2010

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (2)


أسعد الله أوقاتكم بكل خير
انتهيت اليوم من قراءة الجزء الثاني من كتاب نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب و هذا الجزء كله تراجم لبعض ممن رحل من أهل المغرب الى بلاد المشرق و قد وقفت في هذا الجزء على :

1- قال يحيى بن الحكم الملقب بالغزال :
أرى أهل اليسار إذا تُوُفــُّـوا ... بنوا تلك المقابر بالصخور
أبوا إلا مباهاة و فخرا ... على الفقراء حتى في القبور
فإن يكن التفاضل في ذراها ... فإن العدل فيها في القعور
إذا أكل الثرى هذا و هذا ... فما فضل الكبير على الصغير
2- قال الرئيس أبو عبدالله ابن الحسين في الخشكلان :
هو الأهلة لكن ... تدعونه خشكلانا
فإن تفائلت صحّف .. تجد : حبيبك لانا
فلله دره كيف لاحظها ، و الخشكلان كما شرحه الاستاذ احسان عباس محقق الكتاب هو :
بالفارسية خشك نان و هو نوع من الخبز أو البقسماط في شكل هلالي .
أقول : فلربما هو ما ندعوه اليوم بالكرواسان و اذا صح هذا يمكن أن ندفع الفكرة القائمة بأن الكرواسان إنما صنع بعدسقوط الدولة العثمانية و كان على شكل هلالي اشارة الى راية العثمانيين فكأنما عنوا انهم أكلوا الراية

3- قال أبو محمد عبدالله بن الحسن بن احمد فيمن بكتب في الورق بالمقص ، و هو غريب :
و كاتب وشي طرسه حِـبـَرٌ ... لم يشـِـها حِـبْرُه و لا قلمه
لكن بمقراضه ينمنمها ... نمنمة الروض جاده رهمه
يوجد بالقطع أحرفا عدمت ... فاعجب لشيء وجوده عدمه

أقول :و هو كما قال المقري غريب ، و أحسبه عنى أن يقص من الورق هيئة الحروف و لذلك قال ابو محمد :
يوجد بالقطع احرفا عدمت .. فاعجب لشيء وجوده عدمه

3-قال أبو الحسين محمد بن أحمد جبير صاحب الرحلة يخاطب الصدر الخجندي:
يا من حواه الدين في عصره ... صدرا يحلّ العلم منه فؤاد
ماذا يرى سيّدنا المرتضى ... في زائر يخطب منه الوداد
لا يبتغي منه سوى أحرف ... يعتدّها أشرف ذخر يفاد
ترسمها أنمله مثل ما ... نمق زهر الروض كف العهاد
في رقعة كالصبح أهدى لها ... يد المعالي مسك ليل المداد
إجازةريورثنيها العلا ... جائزة تبقى وتفنى البلاد
يستصحب الشكر خديماً لها ... والشكر للأمجاد أسنى عتاد

فأجابه الصدر الخجندي:
لك الله من خاطب خلتي ... ومن قابسٍ يجتدي سقط زندي
أجزت له ما أجازوه لي ...وما حدّثوه وما صحّ عندي
وكاتب هذي السّطور التي ... تراهنّ عبد اللطيف الخجندي
أقول : فانظر الى اسلوب طالب الإجازة و الى الرد تجدهما على سواء من الرقي في الاسلوب ، و لا أقول هما كركبتي البعيركما جاء في المثل و ذلك لبعد معرفتنا بالأباعر و لكني أقول كما قال البحتري - و أحسبه أجمل - :
كالفرقدين إذا تأمل ناظر ... لم يعل موضع فرقد عن فرقد
4- و قال ابن جبير أيضا و قد أبدع :
تغير إخوان هذا الزمان ... و كل صديق عراه الخلل
و كانوا قديما على صحة ... فقد داخلتهم حروف العلل
قضيت التعجب من أمرهم ... فصرت أطالع باب البدل

5- و لما وصل ابن جبير بغداد تذكر بلده فقال :
سقى الله باب الطاق صوب غمامة ... و رد الى الأوطان كل غريب
6- قال القيسراني :
استشعر اليأس في "لا" ثم يطمعني ... إشارة في اعتناق اللام للألف
و هنا تعرف مقدرة الشاعر
7- قال أبو جعفر الإلبيري و قد أهدى طاقية :
خذها إليك هدية ... ممن يعز على أناسك
اخترتها لك عندما ... أضحت هدية كل ناسك
أرسلتها طاقية ... لتنوب عن تقبيل راسك

الجمعة، 17 سبتمبر 2010

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (1)

أسعد الله أوقاتكم بكل خير :
اتجهت نيتي لقراءة كتاب " نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب " و ذلك بعد أن كنت أتلقف بعض الأخبار من جدي رحمه الله فأعجب بها و أسأل عنها فيقول من كتاب نفح الطيب فلما نظرت إلى الكتاب هربت منه إذ ما كان لي طاقة بقراءة ثمانية أجزاء لكتاب و كل جزء منها يحوي ما يقارب 690 صفحة إلا أنني مللت من هذا البعد عنه فقررت أن أتناوله دون أن ألتزم بقراءته كله و إنما أقتصر على ما فيه من أشعار و أخبار متصلة بها فكان ذلك و اليوم قد انتهيت من الجزء الأول فأحببت أن أورد ما التقطته منه :

- قال الشاعر :
لا عار إن عطلت يداي من الغنى ... كم سابق في الخيل غير محجل
صان اللئيم ، و صنت وجهي ، مالـَـه ... دوني ، فلم يبذل و لم أتبذل
أبكي لهم ضافني متأوبا ... إن الدموع قرى الهموم النزل
لا تنكروا شيبا ألم بمفرقي ... عجلا كأن سناه سلة منصل
فلقد دُفعت الى الهموم تنوبني ... منها ثلاث جُمّعن لي
أسف على ماضي الزمان ، و حيرة ... في الحال منه ، و وحشة المستقبل
ما إن وصلت إلى زمان آخر ... إلا بكيت على الزمان الأول
لله عهد بالحمى لم أنسه ... أيام أعصي في الصبابة عذلي
- و قال الصفدي :
أقول و حر الرمل قد زاد وقده ... و ما لي إلى شم النسيم سبيل
أظن نسيم الجو قد مات و انقضى ... فعهدي به في الشام و هو عليل
- و قال آخر :
حديثه أو حديث عنه يطربني ... هذا إذا غاب أو هذا إذا حضرا
كلاهما حسن عندي أسر به ... لكن أحلاهما ما وافق النظرا

- قرأت قول عبدالرحمن بن الحكم :
و الشيخ إن يحو النهى بتجارب ... فشباب رأي القوم عند شبابها
فتذكرت قول معروف الرصافي :
إن التجارب للشيوخ و إنما ... أمل البلاد يكون في شبانها
و بين أن الرصافي اقتبس بيته من بيت ابن الحكم - إن كان اطلع عليه - فأخذ معناه و صاغه صياغة أبهى و أسهل
- و من غريب ما يحكى عن أمير المؤمنين الناصر المذكور أنّه أراد الفصد، فقعد بالبهو في المجلس الكبير المشرف
بأعلى مدينته بالزهراء، واستدعى الطبيب لذلك، وأخذ الطبيب الآلة وجسّ يد الناصر، فبينما هو إذ أطل زرزور فصعد
على إناء ذهب بالمجلس، وأنشد:
أيّها الفاصد رفقاً بأمير المؤمنينا
إنّما تفصد عرقاً فيه محيا العالمينا
وجعل يكرّر ذلك المرّة بعد المرة، فاستظرف أمير المؤمنين الناصر ذلك غاية الاستظراف،وسرّ به غاية السرور، وسأل
عمن اهتدى إلى ذلك وعلم الزرزور، فذكر له أن السيدة الكبرى مرجانة أم ولده وليّ عهده الحكم المستنصر بالله صنعت
ذلك، وأعدّته لذلك الأمر،فوهب لها ما ينيف على ثلاثين ألف دينار.
-وحكي أنه وجد بخط الناصر :
أيام السرور التي صفت له دون تكدير يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ويوم كذا من كذا، وعدّت تلك الأيام فكانت أربعة
عشريوماً، فاعجب أيها العاقل لهذه الدنيا وعدم صفائها، وبخلها بكمال الأحوال لأوليائها، هذاالخليفة الناصر حلف
السعود، المضروب به المثل في الارتقاء في الدينا والصعود، ملكها خمسين سنة وستة - أو سبعة - أشهر وثلاثة أيّام،
ولم تصف له إلا أربعة عشر يوماً

- و من عجيب التشبيهات قول ابن صارة الأندلسي - و يكتب أيضا بالسين ابن سارة - يصف ماء بالرقة و الصفاء :
و النهر قد رقت غلالة خصره ... و عليه من صبغ الأصيل طراز
تترقرق الأمواج فيه كأنها ... عكن الخصور تهزها الأعجاز
- وصف أعرابي محلة قوم ارتحلوا عنها فقال :ارتحلت عنها ربات الخدور و أقامت بها أثافي القدور و لقد كان أهلها
يعفون آثار الرياح فعفت الرياح آثارهم و ذهبت بأبدانهم و أبقت أخبارهم و العهد قريب و اللقاء بعيد
- قال أبو صخر القرطبي :
ديار عليها من بشاشة أهلها ... بقايا تسر النفس أنسا و منظرا
ربوع كساها المزن من خلع الحيا ... برودا و حلاها من النَّور جوهرا
تسرك طورا ثم تشجيك تارة ... فترتاح تأنيسا و تشجى تذكرا

الخميس، 19 أغسطس 2010

الشاعر ابراهيم الأسود

إبراهيم عبد الحميد الأسود ولد عام 1952 في مدينة هجين - سوريا
و أحسب أنه الشاعر الذي يستحق أن يكسب صفة الشاعر في عصرنا الذي طغى فيه الشعر الحر و صارت له الغلبة ، و لم يعد للأدباء الحقيقيين أثر و إن كانوا موجودين فهم في عزلة مكرمون أنفسهم عن عرض أدبهم على من لا يفقهه
تجد في شعره صفتين قلما تجتمعان في شاعر و هما الرصانة و التجديد
و حينما نقول التجديد نعني استخدامه لمتطورات هذا العصر بما لا يخل بشكل القصيدة
لا التجديد الذي خرج به علينا مدعو شعر هذا الوقت من رموز و طلاسم اسموها شعرا و هي الى الالغاز أقرب
و قد اطلعت على ثلاثة دواوين صغيرة للشاعر و اخترت منها :
من كتاب الشواخص 3 :
أرى علماء الدين لا دين عندهم ... و لا علم إلا باقتناص الدراهم
و من لم يصم أو لم يصل فإنما ... لظلم رآه من مصل و صائم
فوا لهف نفس الدين لهفاعلى دم ... يغرغر ما بين اللحى و العمائم
من ديوانه ارجوان على شفة الجرح :
و الناس في حينا ليسوا كعهدك بالـ ...ــناس الأماثل أخلاقا و لا شيما
إذا رأوا جارهم في غبطة جهموا ... و يغبطون إذا ما جارهم جهما
و فيهم من فضول لا رواء له ... الا بهل و بكيف و بمن و بما

الى أن قال :
أفدي الحبيب الذي ذكراه في خلدي ... و شخصه في مآقي العين قد رسما
المطعمي من جنى خديه فاكهة ... و من لمى شفتيه كوثرا شبما
مكون الخلق من صبح و من غسق ... كلا النقيضين في تكوينه التأما
فالوجه أنصع من شمس إذا طلعت ... و الشعر أحلك من ليل اذا عتما
له كثيبان من صدر و من كفل ... وا رحتما للحشا المهضوم بينهما
فانظر الى بيته الأخير و الى كلمة المهضوم كيف استخدمها بمعنييها الفصيح و العامي
و من ديوانه الى المقتولة ظلما :
إيه يا ليل لو نطقت سألنا ... ك عن الأمس ، أو تحاول نطقا
عن أمان وضاءة و عهود ... عن زمان ما كان أحلى و أنقى
عن لقاء في ليلة العيد لما ... نستقي الخمر لا مزيجا فنسقى
فاغتبقنا من الثنايا زلالا ... و لثمنا إقاح ثغر منقى
و سكرنا يا ليل حتى ثملنا ... ثم تهنا ما بين سكرى و غرقى
ثم دار الزمان فاقتص منا ... فوردنا صفو المعيشة رنقا
قيل صرف الحياة قلنا :و لكن ... ليس أن تسعد الكلاب و نشقى

و قوله :
نسيم الصبا بالله إن كنت غاديا ... الى أرض دير الزور فاحمل تحياتي
و بلغ سلامي كل من في بطاحها ... و من حولها و اقرأ على الجسر أبياتي
و لا تنس ربعا في "هجين" فإنها ... بلادي و فيها إخوتي و أخياتي
و أهلي ، فإما جئت دارا حزينة ... فسلم ، فثمت يا نسيم نعياتي
رزئن بفقدي مذ رزئت بفقد من ... أحب فأبكيها و هن بكياتي
و خفف على أمي العذاب و قل لها ... سيأتي غدا أو لا فبعد غد آت
و من ديوانه من رماد القلب :
أخطر الموت يا أخي يا صديقي ... عيشنا مسلمين دون سلام
أبشع الموت ليس موتك جوعا .. إنما الموت تخمة بالطعام
أشنع الموت أن تعيش غريبا ... بين دور الأخوال و الأعمام
أفظع الموت أن تكون عظيما ... تتحاشى من سطوة الأقزام
و قال يمدح السيد يوسف بن السيد هاشم الرفاعي :
مرحبا مرحبا و أهلا و سهلا ... و سلاما يضوع وردا و فلا
و التحيات ثرة باركتها ... نفحات "السلام" عز و جلا
شرفت بلدة وطئت ثراها ... و تباهت على المدائن كلا
و ازدهت أرضنا و أنت عليها ... فغدا تربها من التبر اغلى
شمخت حين مسها منك شيء ... و لئن كان ذلك الشيء نعلا
و تعالت فخرا على كل أرض ... فهي أعلى شأنا و أجمل شكلا
و السماء التي تظللت منها ... قد تمنت لو أحبيت منك ظلا
إلى أن قال :
أيها العائد الذي فقدته ... أمه يافعا و لاقته كهلا
أخذتها به و قد عرفته ... هزة الشوق قبل أن تتملى
و لها الحق إنما أنت منها ... و لئن قال ظاهر الأمر :كلا
إن تكن ذلك الخليجي فرعا ... فادكر أنك الشآمي أصلا
لو قطعنا الرجاء من كل حي ... كنت إحدى المستثنيات بـ "إلا "
و قال يذم اصحاب الشعر الحديث بقصيدة مطلعها :
جاوز الهم حده المألوفا ... و أتى اليأس كي يكون رديفا
إلى أن قال :
و الشعراء كتبوا الشعر للشعــ...ـر فما در درهما أو رغيفا
فأباحوا السلطان عرض القوافي ... فأناخوا على البلاط ضيوفا
نمقوا في مديحه كتبا قد ... ملأوها كذبا و غشا و زيفا
أعجموها خلاف كا جاء في المعـ...ـجم لكن قد أحسنوا التغليفا
فاستقلت ببهرج الشكل لما ... عرضوها في المكتبات رفوفا
غير أن المضمون أعجب إذ تلـ...ــقاه لفظا فجا و معنى سخيفا
حين عدوا مثقفين و ما إن ... عرفوا أن يعرفوا التثقيفا
حرروا الشعر من قيود القوافي... و أباحوا في وزنه التطفيفا
و أهانوا العروض حتى غدا المقـ..ــبوض منها لا يحسد الموقوفا
لا يلامون إنهم أهل عصر ... عبقري قد أبدع "التكييفا"
أخذ الشعر حينما قطعوه ... مظهرا مضحكا و شكلا طريفا
عقلوه من حيث لم يعقلوه ... ثم خلوه مطلقا مكتوفا
جعلوه فواصلا و نقاطا ... و شكولا مجهولة و حروفا
ثم باعوه كل حرف بألف ... فجنوا يانعا و عدوا ألوفا

السبت، 24 يوليو 2010

شعراء هجر

اسعد الله اوقاتكم بكل خير
انتهيت قبل يومين من قراءة كتاب " شعراء هجر من القرن الثاني عشر الى القرن الرابع عشر "
لمؤلفه : عبدالفتاح محمد الحلو ، و المقصود بهجر هنا هي مدينة الاحساء و الحديث يدور حول شعرائها
و يشير المؤلف الى سبب تأليف هذا الكتاب بأنه بعد ان نزل الاحساء - و كان مدرسا للقسم الأدبي بالمعهد العلمي -
و التقى بعلمائها و فضلائها طرقت سمعه ابيات كثيرة لم يسمع بها من قبل و بدأ يستفسر عنها فعلم أنها لشعراء مضوا
و خلفوا نتاجا شعريا يعتز به أهل بلادهم و كانت هذه الاشعار تتزين بها محافلهم ، و لما سأل عن هذا التراث علم أنه
لم يجمع و إنما كان يحفظ قليله في الصدور و كثير منه تحويه اوراق قديمة عند المعنيين بحفظ الشعر و أن أكثر هذا
الكثيرقد ضاع ، فاستعان بالله للقيام بجمع هذا التراث و قد صاحبه محمد بن الشيخ عبدالله آل مبارك ليعرفه بالمشايخ
و العلماء الذين أمدوه بمخطوطاتهم و نقل من صدورهم هذا التراث، كما أعانه نخبة من طلاب العلم في النقل من
المخطوطات فجاء الكتاب مترجما لأربعة عشر شاعرا
اطلعت على الكتاب و كان اهتمامي منصبا على الشعر المذكورفيه و عليه ستكون ملحوظاتي مقتصرة :
1- لما كان المؤلف قد آثر أن لا ينشر من شعر الشيخ عبدالله البيتوشي الا ما كان من مساجلات بينه و بين الشيخ أحمد
آل عبدالقادر لأن الشيخ محمد الخال قد تكفل في كتابه " البيتوشي " بنشر بقية انتاجه الشعري الا أن هذا القليل الذي نشره
المؤلف ينبئ عن شاعر فحل متمكن من ناصية الشعر،ففي القصيدة التي ارسلها الشيح احمد الى البيتوشي التي مطلعها :
ساجع الورق على الأغصان غنى ... أطرب الخالي و اجتاح المعنى
رد عليه البيتوشي بقصيدة مطلعها :
هاجه الوجد الى وجد فأنا ... و تمنى الابرق الفرد و أنى
ثم يقول مادحا :
جاءنا من غرر النظم لكم ... ما يحاكي روضة بالمزن غنا
رمل الأبحر لكن دره ... عدد الرمل فرادى و مثنى
فتباشير التهاني أقبلت ... بعد طول اليأس من هنا و هنا
هالنا هيلكم تلك المعا ... ني علينا فاقنعوا بالوزن منا

الى أن قال :
هجر من هجركم هاجرة ... ما ترى فيها لجنب مطمئنا
فكأنا ما وردنا معكم ... عد لهو و كأنا ما عطنا
و كأنا ما رأينا ذلك الـ ... أنس يوما و كأنا و كأنا
فما أبدع بيته الأخير
ثم تتبين لنا دقة البيتوشي الذي جعل عجز بيته الأخير هو نفسه صدر البيت الأول ، مجاريا بذلك الشيخ احمد الذي انتهج هذاالنهج في قصيدته
2- أكثر ما لفت نظري و مالت نفسي اليه هو شعر عبدالعزيز بن عبداللطيف ال مبارك فسبكه رصين و لغته شعرية
أدبية تختلف عن بقية الشعراء المذكورين في الكتاب الذين يغلب على شعرهم طابع الفقه او العلم ، فشعره أكثره رائق
و سأورد بعضا من شعره للدلالة على ما ذهبت اليه :
- تأخر أخوه مبارك و ابن عمه عبدالله بن الشيخ عبداللطيف ال مبارك عن حضور درسه و لما سأل عنهما قيل له إن
عبدالله مشغول بجذاذ النخل في قرية الشقيق و أخاه مبارك هناك ايضا لأنه حديث عهد بزواج فقال :
يا رب لا كان الشقيق فأنه ... قد صد أرباب العلا عن نيله
فتفرقت فيه تلامذتي فذا ... في صرمه لاه و ذا في وصله
و قال على لسان عمه في جناب الشيخ محمد بن عيسى ال خليفة :
الا نوم يعار فلا كرى لي ... لعلي أن أرى طيف الخيال
الى ان قال :
تنشقت النسيم فما شفاني ... و هل يشفي عليلا ذو اعتلال
فلولا نور نار الشوق حولي ... خفيت على العيون من انـتحالي
و تنعت لي الأطبا حب مسك ... لقد صدقوا و لكن حب خال
بروحي اهيف الأعطاف أحوى ... مليح الدل مقبول الدلال
عجبت لقده قد جار عمدا ... علينا و هو يوصف باعتدال
الا يا لائمي في الحب دعني .. فليس عليك رشدي او ضلالي
تكلفني السلو و ليت شعري ... متى سمحت طباع بانـتقال
أ أكتم حبهم و دموع عيني ... على الوجنات تحكي شرح حالي
و زار الشيخ محمد ال عبدالقادر فعلم أنه قد ذهب لزيارة بعض مشايخه في محلة العيوني فكتب له :
وميض البرق من غرب العيوني ... افاض الدمع من غرب العيون
و نوح الورق أورى نار وجدي ... و أذكى لوعة القلب الحزين
عجبت لها تنوح و عن شمال ... تخاطب إلفها و عن اليمين
الى ان قال :
ملكتم سادتي رقي فماذا ... عليكم بعد لو كاتبتموني
اكاتبكم و أنتم في فؤادي ... و أطلبكم و انتم في العيوني
و له قصيدته السياسية الرنانة التي مطلعها :
هل من يجيب اذا دعوت الداعي ... و يعي الخطاب و أين مني الواعي
و أحسب أن كل بيت منها يبز نظيره حسنا و رونقا
و كذلك فإن له نثرا رائقا ، فقد كتب الى عمه الشيخ راشد بن عبداللطيف ال مبارك :
حضرة حديقة العلم الناضرة و حدقة الفضل الناظرة من حل في الصدور و حلى الصدور و لم يضق عليه الورود بعد
الصدور في جميع المقاصد سيدنا العم راشدابقاه الله لطالب يرشده و لبيت مجد يشيده .... الى آخر الرسالة
2- راق لي ايضا شعر عبدالله بن علي آل عبدالقادر و قد اعجبت بقوله مادحا :
و اذا مدحت وليدهم في مهده ... اعطى التمائم ضاحك الأسنان
فلله دره
و راق لي مدحه الساعة إذ يقول :
و ساكنة في بيوت الزجاج ... ممنعة بمنيع الحجاب
و ما سمعت قط من عالم ... و لا نظرت في ضروب الحساب
تسير و لكن على اثرها ... كما سار في التيه أهل الكتاب
و بين يديها مثال العصا ... اذا قرعت لحليم أناب
و لم تر عيني سواها فصيحا ... يدير لسانين عند الخطاب
عجبت لها و هي مع ما وصفت ... اذا اشتبه الوقت يوم السحاب
و صرنا من اللبس في حيرة ... و قد شك مجتهد و استراب
و طال الكلام و لج الخصام ... و خف الإمام من الاضطراب
الى علمها رجعوا في الهدى ... و من عندها رغبوا في الصواب
و قالوا : الجوابَ فمنت به ... فطابت نفوس و ذلت رقاب
سلام على منزل حازها ... لقد جانب الشك و الارتياب
و يقول و قد علم أن زوجته هي أخته من الرضاع :
الا ايها الباكي على إلفه لمه ... فكل هبات الدهر غير متممة
رضاع بأيام الفطام استفدته ... على فاقة من غير عار و مأثمة
فما أنت الا صائم في صيامه ... سقاه اله العالمين و أطعمه
و هذا هو الشعر الرصين
3- نظم الشيخ عبدالعزيز بن حمد آل مبارك قصيدة في مدح آل عبدالقادر و يخص منهم الشيخ علي و ابنه عبدالله
يقول في مطلعها:
ذكر الربع و أهليه فأنا ... و شجاه البارق الساري فحنا
الى ان قال في معرض الغزل:
أهيف الخصر ثقيل ردفه ... أتلع الجيد رقيق الأنف أقنى
حرمت نهداه و الردف على ... قمصه تمساسها ظهرا و بطنا
و اذا ما سعدنا ألفنا ... و اطرحناالعتب و الإعتاب عنا
و تجاذبنا حواشي سمر .. هل رأيت الروض و العود المرنا
أخذ الدلة من كانونها ... بشمال و أدار الكأس يمنى
و انبرى يسكب من ياقوتة ... في لجين الكأس ما نسميه بنا
كلما أنعم بالكأس ملا... مثلها من طرفه الساجي فثنى
و أنا أشرب بالكأسين و الثـ...ـالث الثغر فما أحلى و اهنا
و البيت الثاني مأخوذ من قول الشاعر :
أبت الروادف و الثديّ لقمصها ... مس البطون و أن تمس ظهورا
و ذكرني بيته الأخير بأبيات محمد سعيد الحبوبي ( و ما أروعها بصوت الجواهري - تجدها في http://www.jwahri.net/ - ) :
يا غزال الكرخ وا وجدي عليك .. كاد سري فيك أن ينهتكا
هذه الصهباء و الكأس لديك ... و غرامي في هواك احتنكا
فاسقني كأسا و خذ كأسا إليك ... فلذيذ العيش أن نشتركا
و اذا جدت بها من شفتيك ... فاسقنيها و خذ الأولى لكا
و يسترسل الشاعر عبدالعزيز حتى يبدأ بالمدح فيقول :
يا لها امنية لم تعدها ... منيتي الا الى أسنى و أسنى
نفحة قدسية تسعدني ... برضا الله الذي أغنى و أقنى
و ترقي رتبة في العلم من ... دونها المريخ بالأعمال تسنى
و سمو في العلا تصحبه ... قدرة بالمال و الحال لأهنا
و لقا الاصحاب من كل فتى ... حسن الأخلاق بالفضل معنى
الى ان قال :
حسبهم فخرا علي و ابنه ... فلقد فاقا على الاقصى و الادنى
انني صب بهم لا ارتضي ... بدلا منهم و من أين و أنــّـى
و هذا هو العذب الزلال
4- التمس الشيخ عبدالعزيز العلجي منزلا بجوار شيخه الشيخ ابراهيم آل مبارك فلم يجد فكتب الى شيخه ابياتا منها :
فيا سيدي إن فات حظي موضع ... بقربك فاجعل لي بقلبك موضعا
فلما بلغت الابيات الشيخ ابراهيم أمر بعض ابناء أخيه بالتحول عن منزلهم الذي بجواره إيثارا للشيخ عبدالعزيز العلجي
و تكرمة له فسكن بها الى ان توفي